ليست قيمة الحروب دائماً في نتائجها العسكرية المباشرة، فبعض المواجهات تنتهي بانتصار طرف على آخر، بينما تترك مواجهات أخرى أثراً يتجاوز ميدان المعركة إلى قواعد النظام الدولي نفسه. وفي هذا السياق، تكتسب أزمة مضيق هرمز أهمية استثنائية، لأنها لا تختبر فقط قدرة الأطراف على حماية واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وإنما تختبر أيضاً حدود القوة الأمريكية وقدرتها على إدارة المجال البحري العالمي في بيئة استراتيجية أصبحت أكثر تعقيداً.
فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول حرية الملاحة أو أمن ناقلات النفط، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: ماذا يحدث عندما تواجه قوة بحرية عظمى خصماً لا يحتاج إلى امتلاك أسطول مماثل حتى يستطيع تهديد البيئة البحرية التي تتحرك فيها؟
منذ نهاية القرن التاسع عشر، ارتبط صعود القوى الكبرى بقدرتها على السيطرة على البحار. وقد كان ألفرد ماهان من أبرز المفكرين الذين رسخوا هذه الفكرة، عندما ربط بين القوة البحرية وحماية التجارة والقدرة على التأثير في السياسة الدولية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه النظرية إلى أحد الأسس التي قامت عليها الاستراتيجية الأمريكية، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد والأساطيل المنتشرة في مختلف مناطق العالم.
لكن القرن الحادي والعشرين بدأ يكشف أن السيطرة البحرية لم تعد مسألة مرتبطة بحجم الأسطول وحده.
فالتكنولوجيا الحديثة أعادت صياغة مفهوم التهديد. الصاروخ بعيد المدى، والطائرة المسيّرة، والزورق السريع، والألغام البحرية، والحرب الإلكترونية، والقدرات الاستخباراتية، كلها أدوات يمكن أن تستخدمها دولة تمتلك قدرات بحرية تقليدية محدودة للتأثير في قوة عسكرية أكبر منها بكثير.
وهنا تأتي أهمية إيران.
فطهران لا تحتاج إلى بناء بحرية تضاهي البحرية الأمريكية حتى تجعل وجودها في الخليج عاملاً مؤثراً في الحسابات الدولية. يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد حركة الملاحة، أو رفع تكلفة حمايتها، أو خلق درجة مرتفعة من عدم اليقين أمام شركات النقل والطاقة والتأمين.
وهذا النوع من القوة يختلف عن مفهوم السيطرة التقليدية. فإيران لا تسعى بالضرورة إلى امتلاك البحر بالمعنى الكلاسيكي، وإنما تستطيع أن تسعى إلى جعل استخدامه أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة إلى خصومها.
وهنا يتحول مضيق هرمز من مجرد مساحة جغرافية ضيقة إلى أداة استراتيجية.
فالمضائق البحرية تمتلك خاصية لا تتوافر في معظم المناطق الأخرى؛ وهي أن أهميتها لا ترتبط بحجمها، وإنما بما يمر عبرها. مساحة جغرافية محدودة يمكن أن تصبح ذات تأثير عالمي إذا ارتبطت بتدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا، فإن أي اضطراب في هرمز لا يبقى محصوراً في مياه الخليج. فانعكاساته يمكن أن تمتد إلى أسعار الطاقة، وأسواق التأمين، وتكاليف النقل، وحسابات الدول المستوردة للنفط، بل وإلى معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط.
وهذا تحديداً هو مصدر القوة الحقيقي للجغرافيا.
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير هدف محدد، لكنها لا تستطيع دائماً إزالة المخاطر السياسية والاقتصادية التي تنتج عن الصراع. وقد تستطيع البحرية الأمريكية تأمين سفينة أو إسقاط طائرة مسيّرة، لكن استعادة الثقة الكاملة لدى شركات الملاحة تحتاج إلى أكثر من عملية عسكرية؛ تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة يمكن للأسواق أن تثق باستمرارها.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات في مفهوم الردع.
في الماضي، كان الردع يقوم بصورة رئيسية على معادلة واضحة: قوة عسكرية ضخمة في مواجهة قوة عسكرية أخرى. أما اليوم، فأصبح الردع أكثر تركيباً، لأن الدولة تستطيع التأثير في خصمها من خلال تهديد المصالح الاقتصادية والبنية التحتية وسلاسل الطاقة والممرات التجارية، حتى إذا لم تكن قادرة على مواجهته عسكرياً بالأسلوب التقليدي.
والتاريخ يقدم نماذج مهمة على أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً تحقيق الهدف السياسي.
فأزمة السويس عام 1956 كشفت أن القوة العسكرية يمكن أن تتراجع أمام الضغوط السياسية والاقتصادية الدولية. كما أظهرت حرب الناقلات في الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي أن حماية الملاحة في منطقة شديدة الحساسية تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية تتجاوز مجرد إرسال القطع البحرية.
أما أزمة مضيق تيران، فقد أكدت أن الممرات البحرية الضيقة يمكن أن تصبح عناصر مركزية في صراعات إقليمية واسعة، وأن قراراً يتعلق بممر بحري يمكن أن تكون له تداعيات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الموقع نفسه.
لهذا، فإن هرمز اليوم يمثل اختباراً مختلفاً.
فهو يختبر قدرة القوة البحرية الأمريكية على الجمع بين الردع والحماية والاستمرارية. ويختبر في الوقت نفسه قدرة إيران على استخدام الجغرافيا كوسيلة لتعديل سلوك القوى الأكبر منها عسكرياً.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: السيطرة والسيطرة المضادة.
قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على فرض تفوق عسكري في المجال البحري، لكن إيران تستطيع، من خلال أدوات غير متماثلة، أن تجعل هذا التفوق أكثر تكلفة وأقل سهولة في الاستخدام. وبالتالي، فإن التحدي لا يتعلق بإلغاء التفوق الأمريكي، وإنما بتقليص قدرته على إنتاج النتائج السياسية المطلوبة بالسرعة والكلفة نفسها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم التحولات الحالية.
فالقوة في النظام الدولي لا تُقاس فقط بعدد السفن والطائرات والصواريخ، وإنما أيضاً بالقدرة على تحمل تكلفة الصراع، والاستمرار فيه، وإدارة تداعياته الاقتصادية والسياسية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الممرات البحرية جزءاً من الصراع على النظام الدولي ذاته.
فالخليج ليس منفصلاً عن البحر الأحمر، والبحر الأحمر ليس منفصلاً عن قناة السويس، وقناة السويس مرتبطة بالبحر المتوسط، وكل هذه الممرات تشكل شبكة واحدة لحركة الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
وإذا تعرض أكثر من ممر استراتيجي للاضطراب في الوقت نفسه، فإن التأثير لا يصبح عسكرياً فقط، وإنما يتحول إلى ضغط اقتصادي عالمي.
وهنا تبرز مفارقة العصر الجديد: التكنولوجيا المتقدمة لم تُلغِ أهمية الجغرافيا، وإنما جعلتها أكثر تعقيداً.
فالصواريخ الحديثة والطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية تستطيع توسيع مدى التهديد، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة أن هناك نقاطاً جغرافية لا يمكن تجاوزها بسهولة. ولهذا فإن امتلاك القدرة على التأثير في هذه النقاط قد يمنح دولاً متوسطة القوة مساحة استراتيجية أكبر مما توحي به إمكاناتها العسكرية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى هرمز باعتباره اختباراً عسكرياً بين إيران والولايات المتحدة فقط، بل باعتباره اختباراً لطريقة توزيع القوة في النظام الدولي.
فإذا كانت القوى الكبرى تستطيع حماية مصالحها البحرية بسهولة، فإن ذلك يؤكد استمرار النموذج التقليدي للقوة. أما إذا أصبحت حماية الممرات الاستراتيجية تحتاج إلى موارد ضخمة، وتحالفات متعددة، وتفاهمات سياسية معقدة، فإن ذلك يعني أن البيئة الدولية أصبحت أكثر تعددية وأقل قابلية للسيطرة من طرف واحد.
وهنا لا يعني الأمر بالضرورة أن عصر الهيمنة البحرية الأمريكية قد انتهى، فالفوارق في القدرات البحرية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال كبيرة. لكن السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كانت تلك القدرات تستطيع وحدها إنتاج النظام الأمني الذي كانت تنتجه في العقود السابقة.
فالفرق بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها بأقل تكلفة فرق جوهري.
وقد تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها أزمة هرمز.
إن العالم ينتقل تدريجياً من عصر كانت فيه القوة تُقاس أساساً بحجم الجيوش والأساطيل، إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على التحكم في المخاطر وإدارة نقاط الاختناق الاقتصادية والجغرافية جزءاً أساسياً من القوة الدولية.
وفي هذا التحول، تستطيع الجغرافيا أن تمنح الدولة أدوات ضغط لا تتناسب بالضرورة مع حجمها العسكري.
وهكذا يصبح مضيق هرمز أكثر من ممر لنقل النفط، وأكثر من نقطة احتكاك بين إيران والولايات المتحدة. إنه مساحة تختبر فيها القوى الكبرى والصاعدة حدود النفوذ والردع، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين التكنولوجيا والجغرافيا والاقتصاد.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يمتلك القدرة العسكرية الأكبر في الخليج؟
بل: من يستطيع تحويل قدرته إلى نفوذ سياسي مستدام، ومن يستطيع تحمل تكلفة استخدام القوة، ومن يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة دون أن يدفع ثمناً أكبر من منافسيه؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
فإذا كان القرن العشرون قد شهد صعود القوة البحرية إلى قمة النظام الدولي، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد السيطرة على البحر تعني بالضرورة السيطرة على كل ما يحدث فيه.
وقد يكون هرمز واحداً من أبرز الأمثلة على ذلك: قوة بحرية كبرى تمتلك التفوق التقليدي، وقوة إقليمية تحاول تعويض الفارق من خلال الجغرافيا والقدرات غير المتماثلة، واقتصاد عالمي لا يستطيع تجاهل نتائج أي اضطراب طويل في أحد أهم شرايين الطاقة.
ومن هنا، فإن أهمية هرمز لا تكمن فقط في مستقبل الملاحة داخله، وإنما في الرسالة التي يحملها إلى النظام الدولي بأكمله: القوة لم تعد فقط فيمن يمتلك أكبر أسطول، وإنما أيضاً فيمن يستطيع التأثير في حركة العالم من خلال نقطة لا يستطيع العالم تجاوزها بسهولة.
وعند هذه النقطة، يصبح مضيق هرمز مرآة للتحول الجاري في النظام الدولي؛ تحول لا يعني بالضرورة سقوط قوة وصعود أخرى بصورة فورية، وإنما يشير إلى انتقال تدريجي من عالم كانت فيه القوة البحرية التقليدية هي الأداة الأساسية للردع، إلى عالم تتداخل فيه الأساطيل مع الصواريخ والجغرافيا والطاقة والأسواق، لتصبح معادلة القوة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
بقلم د. محمد اليمني خبير العلاقات الدولية









