عند قراءة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بعناية، يمكن تسجيل عدة عناصر تصب في مصلحة جبهة البوليساريو. وهي تظهر أن الجبهة لا تزال تمتلك أوراقاً سياسية وقانونية ودبلوماسية مهمة.
يتمثل العنصر الأول في مكانة مقترحها نفسه. فقد قدمت البوليساريو إلى الأمين العام مقترحاً يهدف صراحة إلى التوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين، يضمن حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير. ويوضح التقرير أن هذا المقترح يطور الضمانات لما بعد الاستفتاء التي سبق أن اقترحتها الجبهة في عام 2007.
أما النقطة الثانية، فهي بالغة الأهمية. فقد أكد ستافان دي ميستورا أن القرار 2797 يوفر «إطاراً للمفاوضات، لكنه لا يفرض نتيجة محددة». كما أوضح أن المشاركة في المفاوضات لا تعني القبول تلقائياً بنتيجتها. وتترك هذه الصياغة للبوليساريو إمكانية التفاوض من دون الإقرار مسبقاً بأن الحكم الذاتي المغربي سيكون مآل العملية.
العنصر الثالث يتعلق مباشرة بتقرير المصير. ويشير التقرير إلى أن هذه المسألة، إلى جانب مسألة السيادة، لا تزال من بين القضايا الأكثر أهمية وإثارة للجدل. وبالتالي، فهي لا تعتبر محسومة. والأهم من ذلك أن غوتيريش يؤكد في استنتاجاته أن الهدف يجب أن يظل التوصل إلى حل مقبول من الطرفين «يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية».
أما النقطة الرابعة فهي أكثر وضوحاً. يؤكد غوتيريش أن أي مقترح يجب أن يخضع لتشاور ذي مغزى مع شعب الصحراء الغربية. ويوضح أن هذا الشعب يجب أن يتمتع «بخيار حر وطوعي» لقبول المقترح أو رفضه. ويضيف أن هذا التشاور ضروري حتى لا يبقى شعب الصحراء الغربية محروماً من حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير. ويُعد هذا من أكثر المقاطع التي تصب في مصلحة الحجج التي تتمسك بها البوليساريو.
العنصر الخامس هو استمرار البوليساريو كطرف مباشر في المفاوضات وممثل للشعب الصحراوي، رغم المحاولات المغربية للطعن في صفتها. وخلال جولات المفاوضات الثلاث، مثّل الجبهةَ مسؤولُها عن السياسة الخارجية.
وتتعلق النقطة السادسة بوضع حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. ويعرب غوتيريش عن «قلق بالغ» إزاء هذا الوضع. كما يدعو إلى مراقبة مستقلة ومحايدة وشاملة ومستمرة. ويشير التقرير، في الوقت نفسه، إلى معلومات عن تضييق الحيز المدني، وفرض قيود على حريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع، فضلاً عن تعرض نشطاء صحراويين للتهديد والترهيب والاعتقال التعسفي.
أما النقطة السابعة فتتعلق بشكل أكثر تحديداً بالمعتقلين الصحراويين المرتبطين بأحداث أكديم إيزيك. ويذكّر التقرير بأن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب خلصت، في القضايا الأربع التي نظرت فيها، إلى وجود ممارسة مستمرة للاعتقالات التعسفية والعزل وأعمال التعذيب أو سوء المعاملة، واستخدام اعترافات تم الحصول عليها بالإكراه. ويوفر هذا المقطع للبوليساريو ورقة مهمة في قضية حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة للسيطرة المغربية.
النقطة الثامنة تتعلق بالوصول إلى الإقليم. ويشير التقرير إلى أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى الإقليم منذ عام 2015. كما يسجل منع برلمانيين ومحامين وصحفيين دوليين من الدخول أو طردهم. ويعتبر غياب المراقبة المستقلة عائقاً مهماً أمام إجراء تقييم شامل للوضع. وينطوي هذا الانتقاد مباشرة على قدرة الأمم المتحدة على التحقق من الظروف السائدة في الإقليم الخاضع للسيطرة المغربية.
أما النقطة التاسعة فتتعلق بالمقترح الرامي إلى بحث إمكانية تصنيف البوليساريو منظمةً إرهابية. فقد أعرب مقرران وخبيران مستقلان تابعان للأمم المتحدة عن مخاوف بشأن مدى توافق مثل هذا المشروع مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. كما أشارا إلى تداعياته المحتملة على المساعدات الإنسانية وعلى العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة. ويمثل ذلك عنصراً مهماً للبوليساريو على الصعيد الدبلوماسي.
النقطة العاشرة تتعلق بالوضع الميداني. يوثق التقرير عدة ضربات بطائرات مسيرة مغربية شرق الجدار. وقد عثرت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، مينورسو، بشكل خاص على أدلة تتوافق مع ضربة استهدفت مركبة في ديسمبر 2025. وفي يونيو 2026، عاينت البعثة مركبتين مدنيتين متضررتين في ميجك، وكانت الأضرار متوافقة مع إصابتهما بصواريخ موجهة بواسطة طائرات مسيرة. ويثبت التقرير بذلك أن عدة حوادث involving القوات المغربية خضعت لتحقيقات من جانب المينورسو.
أما النقطة الحادية عشرة والأخيرة، فهي ذات دلالة خاصة. يوصي غوتيريش بالإبقاء على بعثة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2027، ما دام لم يتم التوصل إلى تسوية مقبولة من الطرفين. ويؤكد أن وجودها يتيح مراقبة الحوادث والتحقيق فيها والحفاظ على الحوار مع الأطراف. ومن دونها، سترتفع مخاطر التصعيد بشكل كبير.
وخلاصة القول، إن التقرير واضح تماماً: الحكم الذاتي المغربي ليس الحل الذي ستفضي إليه المفاوضات بالضرورة. إنه نقطة انطلاق للتفاوض، وليس نتيجة محسومة سلفاً. وهذه تفرقة أساسية في مواجهة ما تذهب إليه بعض الخطابات المغربية من أن النتيجة أصبحت محسومة مسبقاً.
وتحتفظ البوليساريو بمقترحها الخاص. ولا يزال تقرير المصير منصوصاً عليه صراحة في الإطار السياسي. كما أن التشاور الحر مع الشعب الصحراوي مطلوب، وأي حل يجب أن يكون موضع تفاوض وأن يكون مصحوباً بضمانات دولية.
ويضاف إلى ذلك ما يورده التقرير بشأن القيود المفروضة على حقوق الإنسان في الإقليم، واستنتاجات لجنة مناهضة التعذيب، وتحقيقات المينورسو في بعض الضربات شرق الجدار، واستمرار عمل البعثة
بقلم : عمار بلاني سفير سابق










