ترأس وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، اجتماعاً حاسماً للجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها. الاجتماع، الذي عُقد بقصر الحكومة، خُصص لوضع اللمسات الأخيرة على مخطط العمل لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها للفترة 2026-2029، معلناً بذلك الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل الميداني المنظم.
من رد الفعل إلى الاستباقية
في كلمته الافتتاحية، شدد سعيود على أن مكافحة عصابات الأحياء “لم تتوقف” وأن الجهود الأمنية والقضائية متواصلة يومياً. غير أن اللجنة، المنصبة رسمياً منذ 20 أبريل 2026، تمثل نقلة نوعية من خلال “التخطيط الاستراتيجي” الذي يجعل من الوقاية “نهجاً دائماً، وليس مجرد استجابة ظرفية للأحداث”. وأكد الوزير أن هذه الاستراتيجية تأتي تكريساً لرؤية رئيس الجمهورية التي ترتكز على مقاربة شاملة تجمع بين الردع القانوني والوقاية الاجتماعية، لمواجهة ظاهرة لا تقتصر على البعد الأمني فحسب، بل تتداخل فيها عوامل اجتماعية وتربوية واقتصادية ورقمية.
خارطة طريق عملية وليست نظرية
وبحسب ما ورد في كلمة الوزير وفي بيان وزارة الداخلية، فإن مخطط العمل الذي تم إقراره ليس مجرد وثيقة نظرية، بل هو “خارطة طريق عملية” تستند إلى تشخيص واقعي للظاهرة. ويشمل المخطط عدة محاور أساسية، أبرزها: الرصد المبكر وتشخيص بؤر الخطر، وإنشاء خلايا جوارية للوقاية، وتعزيز الحماية الاجتماعية والتربوية، واسترجاع الفضاءات العمومية، وتوسيع برامج الإدماج الاجتماعي والمهني، بالإضافة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز اليقظة الرقمية لمكافحة التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويركز المخطط على وضع آجال زمنية محددة ومؤشرات أداء لقياس الإنجاز وتصحيح المسار، مما يضمن متابعة دقيقة وفعالة للتنفيذ.
عصابات الأحياء: ظاهرة مركبة تهدد النسيج الاجتماعي
يأتي هذا التحرك الوطني في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تحول نمط عصابات الأحياء الكلاسيكي في الجزائر إلى تنظيمات أكثر خطورة، تستخدم أسلحة خطيرة ووسائل التواصل الاجتماعي لبث الرعب وفرض السيطرة على الأحياء، مما يهدد أمن المواطنين وسكينتهم وممتلكاتهم. وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن هذه الظاهرة تتغذى على عوامل اجتماعية واقتصادية مثل الفقر والبطالة والتفكك الأسري، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب الشباب وتجنيدهم. ولهذا، تأتي الاستراتيجية الجديدة لتعالج الجذور العميقة للظاهرة، من خلال تعزيز العمل الجواري والتحسيسي، وتوفير بدائل إيجابية للشباب، وتحصين الجبهة الداخلية للأمة.
تضافر جهود وطني
وشدد سعيود على أن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بتضافر جهود جميع الفاعلين، من قطاعات أمنية وقضائية، إلى قطاعات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني، مروراً بالجماعات المحلية والمجتمع المدني. ودعا الوزير إلى “الانخراط الفعلي والمنسق” للجميع، مؤكداً أن المرحلة المقبلة “مرحلة التنفيذ والمتابعة والتقييم” وهي مسؤولية مشتركة تتطلب العمل بنفس الروح التشاركية التي ميزت إعداد الاستراتيجية. وأعلن عن التزام وزارة الداخلية بمرافقة اللجنة الوطنية واللجان الولائية، وتسخير كل الإمكانيات لإنجاح هذا المسعى الوطني.
رسالة واضحة وعزم مؤكد
وفي ختام كلمته، وجه الوزير رسالة واضحة بأن “الدولة عازمة على مواصلة مواجهة هذه الظاهرة بكل حزم، ومن خلال كافة الوسائل، من أجل حماية شبابها وتجفيف كل الأسباب التي قد تدفعهم إلى الوقوع في براثن عصابات الأحياء”. ويعكس هذا التوجه الجديد إرادة سياسية لترجمة الأمن النظري إلى واقع ملموس، حيث يشعر به المواطن داخل حيه، وتلمسه الأسرة في أبنائها، ويجسده الشباب في سلوكهم اليومي، بما يساهم في ترسيخ سيادة القانون وهيبة الدولة في كل ربوع الوطن.










