وضع الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، هيثم الغيص، اتفاق الجزائر في مرتبة “نقطة التحول التاريخية” التي أعادت هيكلة العلاقة بين المنتجين، وأرست الأساس المؤسسي لتحالف “أوبك+” الذي أعاد ضبط توازنات السوق العالمية منذ ديسمبر 2016. جاء ذلك في حوار حصري أجرته قناة النهار وأداره الزميل مصطفى تونسي، تناول فيه الغيص أبرز الملفات الاقتصادية والاستراتيجية التي تحكم مستقبل الطاقة، وفي مقدمتها أمن الإمدادات، وديناميكيات العرض والطلب، وضرورة الاستثمار طويل الأجل، والدور المحوري للجزائر في هذه المنظومة.
اتفاق الجزائر.. هندسة جديدة لتوازن السوق
يرى الغيص أن اتفاق الجزائر لم يكن مجرد تسوية ظرفية، بل كان “محطة مفصلية” أعادت صياغة قواعد اللعبة في سوق الطاقة، من خلال تحويل التنسيق بين المنتجين من إطار ضيق إلى تحالف موسّع يضم دولاً من داخل المنظمة وخارجها. وبمنطق اقتصادي، مكّن هذا التحالف من تجاوز حالة التشرذم التي ضاعفت تقلبات الأسعار، وأسهم في تقليص الهوامش المضاربة التي أثقلت كاهل المنتجين والمستهلكين على حد سواء. ويُجمع محللون على أن هذا الإطار التعاوني شكّل “شبكة أمان” للسوق في مواجهة صدمات المعروض المتكررة.
إدارة السوق.. اجتماعات شهرية وإجراءات احترازية
وعلى صعيد إدارة السياسة الإنتاجية، كشف الغيص أن المنظمة تعقد اجتماعات شهرية لضبط حصص الإنتاج، في مقاربة تتيح مرونة أكبر في الاستجابة لمتغيرات السوق، وأوضح أن قرار “أوبك+” برفع الإنتاج جاء في توقيت دقيق لسد العجز الذي هدد توازن السوق وسط التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، برز دور الجزائر كفاعل رئيسي في “تعويض الكميات المفقودة” جراء التصعيد في مضيق هرمز، وهو ما يعكس – وفق الغيص – قدرة المنظمة على تفعيل أدوات بديلة، من قبيل خطوط الأنابيب والمخزونات الاستراتيجية، لتأمين استمرارية التدفقات النفطيةمثلما عملت عليه السعودية وتُعد هذه الآليات، من منظور اقتصادي، بمثابة “صمامات أمان” تحول دون انزلاقات حادة في الأسعار عند كل توتر إقليمي.
موثوقية الإمدادات.. ردّ اقتصادي على تشكيكات الوكالة الدولية
وفي مواجهة ما وصفه بحملات التشكيك في موثوقية الإمدادات، شدد الغيص على أن دول أوبك قدمت “تضحيات كبرى” عبر 66 عاماً من تاريخ المنظمة، من خلال الاستثمار في طاقات إنتاجية فائضة لا تُستغل إلا في أوقات الأزمات، وهذه الطاقة الاحتياطية، بحسب خبراء اقتصاد الطاقة، تمثل “تأميناً استراتيجياً” يحمي الاقتصاد العالمي من صدمات العرض المفاجئة، غير أن تكلفتها الرأسمالية الباهظة تفرض على المنتجين أعباءً مستمرة.
وانتقد الغيص دعوات وكالة الطاقة الدولية لوقف الاستثمارات في النفط، معتبراً أنها “تصريحات خطيرة” تعاكس رؤية أوبك، ومشدّداً على أن رسالة المنظمة واضحة: “نحن بحاجة للاستثمار لضمان الإمدادات والحد من التقلبات”. كما لفت إلى أن الوكالة نفسها تراجعت عن توقعاتها ببلوغ ذروة الطلب سنة 2030، وأقرت باستمرار نمو الطلب حتى 2050، وهو ما يتماشى مع القراءات الواقعية لأوبك.
الطلب على الطاقة.. أرقام تكشف واقعاً لا يمكن تجاهله
واستند الغيص إلى مؤشرات اقتصادية ديموغرافية لتأكيد استمرار الطلب، مبيّناً أن ارتفاع سكان الأرض إلى نحو 10 مليارات نسمة، إلى جانب النمو الاقتصادي العالمي، سيدفعان الاستهلاك الإجمالي للطاقة إلى الارتفاع بنسبة 23%. وتوقع أن يواصل النفط والغاز الاستحواذ على النصيب الأكبر من مزيج الطاقة العالمي بنسبة تتراوح بين 55% و56% بحلول منتصف القرن، مؤكداً أن الطاقات المتجددة ستكون “رافداً مكملاً” لا بديلاً كاملاً.
وكشف الغيص أن النفط استحوذ على 31% من مزيج الطاقة في سنة 2026، مشيراً إلى أن النفط ومشتقاته يظلان أساسيين في اقتصاد العالم وجزءاً من الحياة اليومية، وهو ما يجعل من “غير الواقعي” الحديث عن انخفاض الطلب عليه.
17.7 تريليون دولار.. فاتورة الاستثمار لتفادي أزمات المعروض
وفي أحد أبرز المعطيات الاقتصادية التي أوردها الغيص، أشار إلى أن صناعة النفط تمثل سلسلة متكاملة تمتد من الاستكشاف والإنتاج إلى التكرير والبتروكيماويات، وتتطلب ضخ استثمارات إجمالية تصل إلى 17.7 تريليون دولار حتى عام 2050، أي ما يفوق 670 مليار دولار سنوياً. ويُترجم هذا الرقم الضخم، اقتصادياً، إلى تحذير من أن أي تقاعس في الاستثمار سيؤدي حتماً إلى ضيق في المعروض وارتفاع حاد في الأسعار خلال العقدين المقبلين.
وأشاد الغيص في هذا الإطار بنهج الجزائر الذي يجمع بين الاستثمار في المنبع وتطوير الصناعات التحويلية، معتبراً أنه “مسار صحيح” يعزز القيمة المضافة ويحصّن الاقتصاد الوطني من تقلبات أسعار الخام.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. رافعة للتكامل الاقتصادي القاري
وعلى مستوى المشاريع الاستراتيجية، وصف الغيص “أنبوب الغاز العابر للصحراء” الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر نحو أوروبا بأنه “مشروع استراتيجي متميز”، لما يمثله من رافعة لأمن الطاقة الإقليمي ونموذج للتكامل القاري والدبلوماسية الاقتصادية، ويُنظر إلى هذا المشروع، من زاوية اقتصادية، باعتباره أداة لتنويع مسارات الإمداد الأوروبية، وتعزيز موقع إفريقيا في خريطة الطاقة العالمية.
الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر
ونوّه الغيص إلى أن مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تحظى بتشجيع المنظمة، مؤكداً أن أوبك تشجع الاستثمار في الطاقة الشمسية، وأن الجزائر تضطلع بدور محوري في هذا المجال في ظل التحولات التي تشهدها منظومة الطاقة العالمية لا سيما مشروع النمر الجنوبي للهيدروجين الاخضر الذي يربط الجزائر بتونس إيطاليا، ألمانيا والنمسا
أسعار النفط.. استقرار السوق قبل تحديد السعر
وفي ما يخص الأسعار، أوضح الغيص أن منظمة أوبك تركز على توازن ميزان العرض والطلب واستقرار الأسواق، لا على تحديد سعر معين لبرميل النفط، فيما يظل قانون العرض والطلب العامل الأساسي المحدد للأسعار. وتُعد هذه المقاربة، من منظور اقتصادي، انعكاساً لرؤية المنظمة القائمة على استقرار السوق طويل الأجل بدل السعي إلى مكاسب سعرية ظرفية.
رسالة تقدير للجزائر
واختتم الغيص حواره بالتعبير عن بالغ امتنانه للاستقبال الحار الذي حظي به من رئيس الجمهورية والشعب الجزائري، مؤكداً روابط المحبة العميقة التي تجمعه بالجزائر التي يعتبرها بلده الثاني، ولها مكانة خاصة في مسيرته.









