إسبانيا والجزائر.. شراكة استراتيجية تعبر المتوسط نحو آفاق جديدة
أدلى رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، اليوم الاثنين، رفقة الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بتصريح إعلامي مشترك، جسّد خلاله الجانبان إرادتهما الراسخة في تعزيز التعاون الثنائي وتوسيعه، في إطار زيارة العمل والصداقة التي يقوم بها المسؤول الإسباني إلى الجزائر .
تعازٍ صادق ووقفة إنسانية
استهل رئيس الحكومة الإسبانية تصريحه بتقديم خالص تعازيه ومواساته للشعب الجزائري في ضحايا الحريق المأساوي الذي اندلع مؤخراً في دار للأيتام، معتبراً أن هذه الفاجعة تذكرنا جميعاً بتداعيات حرائق الغابات التي باتت مجتمعاتنا تعاني منها عاماً بعد عام . وأشار سانشيز إلى أن إسبانيا تواجه هي الأخرى حرائق مماثلة، مؤكداً أن قوات الأمن والحماية المدنية في بلاده تبذل قصارى جهدها لحماية الأرواح والممتلكات، في رسالة تضامن إنساني تعكس روح الجوار والصداقة بين البلدين .
زيارة تحمل دلالات عميقة
أكد رئيس الحكومة الإسبانية أن زيارته للجزائر تحمل أهمية خاصة، لأن إسبانيا تنظر إلى الجزائر ليس فقط كجارة، بل كشريك استراتيجي وصديق عزيز، تجسده معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تشكل أساساً متيناً لبناء علاقات متميزة . وأوضح سانشيز أن هذه الزيارة ترمز إلى الإرادة المشتركة لتعميق هذه الصداقة وتوسيع نطاق التعاون الثنائي بما يخدم مستقبل البلدين، وهو ما يتجلى في تحديد ثلاث أولويات رئيسية في هذه المرحلة، يتقاسمها مع الرئيس تبون .
ثلاث أولويات لتعزيز الشراكة
أولاً: تعزيز الحوار السياسي، حيث شدد سانشيز على أهمية تعزيز الحوار السياسي بين البلدين باعتباره الركيزة الأساسية لجميع مجالات التعاون. وأعلن عن انعقاد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين خلال الخريف المقبل، والتي ستسبقها مشاورات سياسية مكثفة لضمان نجاحها بما يعود بالنفع على الشعبين . وأشار إلى أنه طلب من فريقه بدء العمل فوراً مع نظرائهم الجزائريين لضمان نجاح هذا المحطة الهامة، التي ستشمل تعزيز التعاون في ملفات الأمن، ومكافحة الهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى إحياء التعاون الثقافي والتبادل الإنساني .
ثانياً: بناء شراكة اقتصادية متينة، حيث أعرب سانشيز عن طموح إسبانيا في ترسيخ مكانتها كشريك استراتيجي للجزائر في مسارها التحديثي، خاصة في قطاعي الطاقة والصناعة. وكشف أن الوفد المرافق له يضم مسؤولي كبرى الشركات الإسبانية العاملة في مجال الطاقة، والتي لها حضور واسع في الجزائر وتعتزم مواصلة استثماراتها والمساهمة في ازدهارها . وأبرز أن الجزائر كانت المورد الأول لإسبانيا بالغاز الطبيعي خلال عام 2026، في ظل الظروف الاستثنائية للأسواق الدولية، مثمناً عالياً مكانتها كشريك استراتيجي وموثوق. لكن الشراكة لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد لتشمل الانتقال الطاقوي، والابتكار التكنولوجي، ورقمنة البنى التحتية، والصناعات الغذائية، والخدمات، وهو ما يعكس التزام الشركات الإسبانية بالمساهمة في تنمية الجزائر .
ثالثاً: تعزيز التعاون الدولي، حيث شدد سانشيز على أن الجزائر وإسبانيا مدعوتان إلى تعزيز تعاونهما على الساحة الدولية، باعتبارهما جسرين يربطان أوروبا بإفريقيا. فالجزائر تمثل بوابة نحو إفريقيا وتضطلع بدور محوري في استقرار منطقة الساحل، بينما تسعى إسبانيا، في إطار استراتيجيتها تجاه إفريقيا (2025-2027)، إلى توطيد علاقاتها مع القارة السمراء. وفي المقابل، تشكل إسبانيا بوابة نحو أوروبا، ومن أولوياتها تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار في جنوب المتوسط، إيماناً منها بأن العمل المشترك هو السبيل لمواجهة التحديات المشتركة، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والأمن، وتداعيات التغير المناخي .
آفاق واعدة وشراكة ممتدة
وفي ختام تصريحه، جدد رئيس الحكومة الإسبانية تأكيده على المكانة الخاصة التي تحتلها الجزائر في سياسة إسبانيا الخارجية، معتبراً أن البلدين يقفان اليوم على أعتاب مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية . ووجه رسالة طمأنة للشعب الجزائري، مفادها أن الجزائر يمكنها دائماً الاعتماد على إسبانيا، بحكم القرب الجغرافي، والانتماء المشترك للفضاء المتوسطي والعربي والإفريقي، والدور الجيوستراتيجي للجزائر، وأهمية العلاقات الاقتصادية، وحيوية الشباب الجزائري . لكنه ختم قائلاً إن ما يجمع الشعبين قبل كل شيء هو صداقة راسخة، وهي الأساس المتين الذي سيبقى ركيزة هذه الشراكة المستقبلية الواعدة .










