شهدت المدرسة العليا لمناجمنت الأشغال العمومية، اليوم السبت، يوماً دراسياً تحسيسياً رفيع المستوى حول خطورة الحمولة الزائدة لمركبات الوزن الثقيل، ترأسه وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، وبمشاركة ممثلين عن وزارات الدفاع الوطني، والداخلية، والعدل، إلى جانب قيادة الدرك الوطني، في خطوة تعكس العزم الحكومي على تحويل ملف السلامة المرورية وحماية البنية التحتية إلى أولوية وطنية قصوى.
جاء هذا اليوم الدراسي في توقيت دقيق، حيث كشف الوزير في كلمته الافتتاحية عن حجم التحدي، مشيراً إلى أن شبكة الطرق الوطنية التي تمتد على 147.220 كيلومتراً، والمشيدة باستثمارات ضخمة، تواجه خطراً حقيقياً يتمثل في تدهورها المتسارع بسبب الحمولة الزائدة، والتي تُعد أبرز أسباب تآكل الطرق والجسور وتقليص عمرها الافتراضي، ناهيك عن تسببها في حوادث مرور خطيرة تخلف خسائر بشرية ومادية فادحة .
أرقام تُجسد حجم الإنفاق لحماية الاستثمارات العمومية
ولإدراك حجم الجهود التي تبذلها الدولة للحفاظ على هذا المكسب الوطني، أوضح السيد جلاوي أن قطاعه يخصص حوالي 30 بالمائة من ميزانيته السنوية لصيانة شبكة الطرق، مما يسمح بمعالجة قرابة 2000 كيلومتر سنوياً. كما تم رصد اعتمادات مالية معتبرة لصيانة الطريق السيار شرق-غرب، لضمان ديمومة هذه المنشأة الاستراتيجية التي تشكل شرياناً حيوياً للتنمية الاقتصادية.
وأكد الوزير أن مواجهة هذه الظاهرة لن تكون بالوعظ فقط، بل بإجراءات عملية وقانونية صارمة، حيث شدد على اعتماد الحمولة المحورية القانونية المحددة بـ 13 طناً كمرجع في تصميم وإنجاز الطرق، مع تعزيز منظومة المراقبة عبر محطات الوزن الثابتة والمتنقلة . وثمّن في هذا السياق التوقيع على اتفاقية هامة لتزويد وحدات الدرك الوطني بمحطات وزن متنقلة، مما سيعزز الرقابة الميدانية ويضبط المخالفات في آن واحد.
عقوبات رادعة بموجب قانون المرور الجديد
وفي إطار الردع، تأتي هذه الحملة متزامنة مع تطبيق أحكام قانون المرور الجديد، الذي يعكس إرادة سياسية حازمة للقضاء على هذه الظاهرة. فقد أقر القانون عقوبات غير مسبوقة تصل إلى 15 سنة حبساً وغرامات تبلغ 150 مليون سنتيم للسائقين المتسببين في حوادث مميتة نتيجة الحمولة الزائدة أو السياقة في حالة سكر أو تحت تأثير المخدرات .
كما تم تصنيف المخالفات المتعلقة بالحمولة الزائدة في درجة رادعة، حيث تتراوح الغرامات المالية بين 9 آلاف و18 ألف دينار لكل حمولة زائدة عن الوزن الإجمالي المرخص به، مع تشديد العقاب تدريجياً وفقاً لنسبة التجاوز . هذه العقوبات، التي تشمل السائقين وأصحاب الشاحنات، تهدف إلى خلق رادع حقيقي وحماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.
مسؤولية جماعية ووعي مجتمعي
لم تقتصر رؤية الوزير على الجانبين التقني والعقابي، بل أكد على أن “مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الإجراءات الردعية فحسب، بل تعتمد كذلك على تكثيف الحملات التحسيسية والتوعوية وترسيخ ثقافة احترام الأوزان القانونية لدى مهنيي النقل ومستعملي الطريق، باعتبار أن الوقاية تمثل دعامة أساسية للحد من حوادث المرور وحماية الأرواح والممتلكات”.
ودعا جلاوي في ختام كلمته جميع الفاعلين إلى تضافر الجهود، معتبراً أن “الحفاظ على الأرواح البشرية وصون المنشآت القاعدية مسؤولية جماعية”، وهو نداء يحمل في طياته إدراكاً عميقاً بأن مستقبل التنمية في الجزائر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة طرقاتها واستدامة استثماراتها.










