صادق البرلمان الأوروبي، نهاية الأسبوع على قرار يدين “توظيف الهجرة غير النظامية كأداة للحرب الهجينة” ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، في تصويت حصل على 339 صوتاً مؤيداً مقابل 225 معارضاً و16 ممتنعاً. القرار، الذي حمل عنوان “الهجمات الهجينة الأخيرة وتوظيف المهاجرين في سبتة”، وضع الرباط في خانة الدول التي تستخدم المهاجرين كسلاح ضغط، وفتح الباب أمام آلية أوروبية جديدة لتعليق التمويلات الموجهة للمغرب واسترداد الأموال الممنوحة سابقاً.
تقارير أمنية إسبانية تثبت التورط المغربي
لم يعد التورط المغربي مجرد اتهام سياسي، بل أكدته تقارير أمنية إسبانية تسربت إلى وسائل الإعلام وأحيلت إلى المحكمة الوطنية الإسبانية. كشف تقرير أعدته وحدة الاستخبارات التابعة للمفوضية العامة للأجانب والحدود بالشرطة الوطنية الإسبانية عن تورط مباشر لعناصر من أجهزة الأمن المغربية في التخطيط وتنفيذ موجة العبور الجماعي لنحو 72 ألفاً إلى 80 ألف شخص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضيين، وأكد التقرير أن العملية لم تكن تحركاً عفوياً ذا طابع هجرة، بل جرت بتوجيه ومراقبة ميدانية من عناصر أمنية مغربية بالزي الرسمي وأخرى بملابس مدنية.
وأشار التقرير إلى أن عناصر من الدرك المغربي تولوا إعطاء تعليمات للمهاجرين وإدارة تدفق الآلاف الذين تجمعوا في مدينة الفنيدق، وتوجيههم نحو نقاط محددة للوصول إلى الأراضي الإسبانية، بينما تولى أشخاص بملابس مدنية مراقبة العملية ميدانياً وتوجيه الحشود نحو منطقة تاراخال، كما أظهرت صور، بحسب التقرير، أن هؤلاء كانوا يقدمون تعليمات لعناصر الشرطة المغربية.
مؤشرات “التخطيط المسبق” و”الإدارة المتدرجة”
رصد التقرير الأمني الإسباني نمطاً عملياتياً دقيقاً يكشف عن تخطيط مسبق، إذ بدأت الموجة الأولى قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً بوصول شبان تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، وكان معظمهم مغربيين ومجهزين ببدلات الغوص والزعانف ووسائل للطفو، قبل أن تتبعها موجة مختلفة ضمت عائلات ونساء وأطفالاً، ثم عاد نمط الموجة الأولى من جديد، واعتبرت وحدة الاستخبارات الإسبانية أن هذا التسلسل مؤشر على وجود “إدارة متدرجة” للعملية، بدأت بإغراق نقطة العبور بالأشخاص الأكثر استعداداً للسباحة، قبل الدفع بفئات أخرى بعد إنهاك قدرة المنظومة الإسبانية على احتواء الوضع.
ولفت التقرير إلى أن نحو 90 بالمائة ممن دخلوا سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز عادوا إلى المغرب بعد ساعات قليلة، وهو معطى استُخدم لاستبعاد الطابع الهجري البحت للواقعة، وتعزيز التأكيد على أن الهدف كان عملية منظمة تتجاوز مجرد البحث عن الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
“خلايا استخباراتية” بين المهاجرين
في تطور مثير، كشفت قناة “بي تي” الدنماركية أن السلطات الإسبانية عثرت وسط جموع المهاجرين على عناصر استخباراتية مغربية مموهة بين المدنيين. كما أظهرت تسجيلات مصورة “موثقة” نشرتها وسائل إعلام أوروبية شاحنات تنقل حشوداً إلى الحدود، وعناصر بالزي الرسمي يرافقونها بانتظام يبدو وكأنه عملية موجهة من الدولة.
وفي أبريل 2026، كان النائب الأوروبي جيديس جيديس قد تقدم بسؤال مكتوب إلى المفوضية الأوروبية، أشار فيه إلى أن الفيديوهات المتداولة “تشير إلى أن هذا الوضع قد يكون جزءاً من حرب هجينة تشنها السلطات المغربية ضد إسبانيا”، وضرب مثلاً بفيديو يُظهر مهاجرين غير نظاميين يصلون إلى سبتة في شاحنات برفقة قوات الشرطة المغربية ويتم إرشادهم. كما استفسر عن نية المفوضية فرض عقوبات على المغرب وتعليق أي اتفاقات تجارية أو اقتصادية قائمة معه.
البرلمان الأوروبي: “غزو” و”حرب هجينة”
واستخدم القرار الأوروبي لغة غير مسبوقة في وصف الأحداث، إذ اعتبر أن سبتة “تعرضت لغزو” ووقعت ضحية “هجوم”. ونص القرار على أن تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في سبتة يمثل “أولوية قصوى” ، مؤكداً أن “سيادة سبتة ومليلية وسلامتهما الإقليمية لا تقبلان الجدل”، وأن “أي تصريح يشكك في هذه السيادة غير مقبول”.
وشدد النص على أن الوصول التفضيلي إلى السوق الأوروبية والتمويل يجب أن يكونا مشروطين بالتعاون الفعلي، بما في ذلك في إدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين وإعادة القبول، داعياً إلى إحداث آليات تسمح للاتحاد الأوروبي بتعليق صرف التمويلات الموجهة إلى دول شريكة واسترداد الأموال التي سبق دفعها في حال عدم التعاون.
ما حدث في ستراسبورغ ليس قراراً أوروبياً نهائياً ضد المغرب، بل فضحاً أوروبياً لتورط أجهزة أمنية مغربية في توظيف المهاجرين كسلاح، فالرباط أمام حتمية تقديم تنازلات في ملفي الحدود والسيادة إذا أرادت الحفاظ على مليارات اليورو التي تتلقاها من بروكسل.









