تسلم الدكتور خليل الحية رسمياً رئاسة المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، خلفاً للقائد الشهيد يحيى السنوار، في مشهد حمل دلالات تنظيمية وسياسية عميقة. ووصف الحية هذه الأمانة بأنها “ثقيلة تنوء بها الجبال”، مؤكداً أنها “عهدة الشهداء الأبرار الذين غرسوا هذه الشجرة المباركة، ورووها من دمائهم الطاهرة الزكية، حتى اشتد عودها” .
وألقى الحية كلمته التاريخية وهو يدرك أنه يقف على مفترق طرق مصيري، ليس لحركته فحسب، بل للقضية الفلسطينية بأسرها، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على غزة والضفة، وتتضاعف فيه التحديات السياسية والإنسانية على كافة المستويات.
أولوية وقف العدوان والانخراط الوطني
وفي خطاب حمل نبرة الجمع لا التفرقة، وضع الحية “الوقف الشامل للعدوان وقتل وإرهاب الاحتلال، وتحقيق الانسحاب الكامل من قطاع غزة” على رأس قائمة أولويات حركته . ودعا الدول الراعية لمسار التفاوض إلى “ممارسة ضغوط حقيقية على حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة من أجل تطبيق ما تم الاتفاق عليه، والمضي في استكمال الانتقال للمرحلة التالية” .
لكن اللافت في كلمة الحية كان تركيزه المكثف على البعد الوطني الداخلي، حيث دعا إلى **”حوار وطني فوري، ووضع الآليات لإعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، على أسس ديمقراطية وفق توافق وطني يشمل الكل الفلسطيني”** . وهذا الموقف، الذي يعد نقلة نوعية في خطاب حماس تجاه منظمة التحرير، يعكس إدراكاً لضرورة تجاوز حالة الانقسام التي أنهكت المشروع الوطني.
إعادة إعمار غزة ومواجهة التهجير
وأفرد الحية جانبا مهما من كلمته للحديث عن معاناة قطاع غزة، الذي يعيش أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة تحت وطأة العدوان. وأكد أن دموع وألام أهل غزة “في صدورنا وقلوبنا”، متوعداً بمواصلة العمل في كل مسار من أجل “رفع الضرر والألم عنهم، وإعادة الحياة الكريمة التي تليق بأهل غزة، حتى نرى من جديد غزة الجميلة المتألقة كما عرفناها” .
وشدد على أن أولوية الحركة الثانية تتعلق بـ **”استعادة الحياة الإنسانية الكريمة للفلسطينيين في قطاع غزة، وإفشال مخططات التهجير، وتسريع إعادة الإعمار، والعمل على تحرير الأسرى”** .
رؤية إقليمية شاملة
بصفته رئيساً للمكتب السياسي، لم يقتصر خطاب الحية على الشأن الفلسطيني الداخلي، بل توقف عند دور الأمة العربية والإسلامية في هذه المرحلة الحرجة. ودعا الأمة العربية والإسلامية، بحكوماتها ومؤسساتها وشعوبها، إلى “التحرك الفاعل والضغط لوقف آلة القتل والإبادة بحق الشعب الفلسطيني، وتحمل مسؤولياتها الأخوية والتاريخية والدينية” .
كما رأى أن “ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة يثبت حقيقة واقعة، وهي أن استقرار وأمن الشعب الفلسطيني ونيل حقوقه وحريته واستقلاله هو مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها” . وفي قراءة سياسية لواقع العلاقات، أعلن الحية أن “العدو واحد، دماؤنا تقطر من يده في كل مكان، وعدوانه وطموحاته لا حدود لها” .
المسير على درب الشهداء
وحرص الحية في كلمته على تأكيد استمرارية النهج الذي رسمه قادة الحركة السابقون، وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وإسماعيل هنية، ويحيى السنوار، ومحمد الضيف. وخاطب كوادر حماس وكتائب القسام قائلاً: “معكم نخوض غمار التحديات والصعاب، من أجل شعبنا وقضيتنا ووطننا وقدسنا، فهذه الحركة هي من شعبها ولشعبها” .
وتأتي هذه الكلمة في لحظة تشهد فيها حركة حماس مرحلة دقيقة، حيث يرى مراقبون أن انتخاب الحية، الذي كان نائباً ليحيى السنوار ومقرّباً من جناح غزة، يشير إلى استمرارية الخط القتالي، مع انفتاح على خيارات وطنية أوسع . وتشير تقارير إعلامية إلى أن الانتخابات الداخلية حُسمت بفارق ضئيل، مما يعكس ديناميكية داخلية ووجوهاً مختلفة للمرحلة القادمة .









