شدد الوزير الأول، سيفي غريب، اليوم، على أن الإصلاحات الجديدة التي تمس الشباك الوحيد للاستثمار تمثل “مرحلة جديدة لتجديد عقد الثقة بين الدولة والمستثمر”، وذلك خلال إشرافه على افتتاح اليوم الإعلامي المخصص لعرض الأحكام القانونية الجديدة التي تؤطر هذا الجهاز الحيوي.
وفي كلمة ألقاها أمام حضور يضم أعضاء الحكومة، والمدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI)، وممثلي منظمات أرباب العمل، والهيئات المالية، وأسرة الإعلام، أكد السيد غريب أن هذه النصوص تأتي تنفيذا للرؤية الإصلاحية لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الرامية إلى بناء “اقتصاد قوي ومتنوع وصامد”.
وأوضح الوزير الأول أن الهدف من هذه الإصلاحات يتجاوز الجانب الشكلي، ليصب في خانة “القضاء على حالات التباطؤ التي لوحظت في الماضي”، و”إزالة المعوقات”، و”ترسيخ ثقافة الأداء والشفافية في الإجراءات”، بشكل لا رجعة فيه.
أرقام تعكس استعادة الثقة.. لكن عراقيل تستوجب التغيير
واستعرض غريب حصيلة إيجابية منذ دخول المنظومة الجديدة حيز التنفيذ، حيث تمكنت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار من تسجيل أكثر من 20.000 مشروع استثماري، بقيمة إجمالية تتجاوز 9.000 مليار دينار (حوالي 67.5 مليار دولار)، من المتوقع أن توفر أكثر من 525 ألف فرصة عمل، معتبرا هذه الأرقام “دليلا ملموسا على عودة الثقة”.
غير أن الوزير الأول كان صريحا في تشخيصه للعراقيل التي ما تزال تعترض سبيل المستثمرين، متسائلا: “فكيف يمكن أن نتحدث عن السرعة في حين أن المستثمر قد يضطر أحيانا للانتظار سبعة أشهر للحصول على وثيقة إدارية؟ وكيف لنا أن نتكلم عن تبسيط الإجراءات، في حين أن بعض الملفات تتطلب ما لا يقل عن أربعة عشر نسخة من الوثيقة نفسها؟”
واعتبر أن هذه القيود، إلى جانب ضعف التنسيق بين الإدارات وعدم تأهيل ممثلي الإدارات لدى الشبابيك الوحيدة، جعلت دور هذه الشبابيك “محصورا في مجرد دور الوسيط دون سلطة فعلية لاتخاذ القرارات”.
تحول جذري: من الإجراءات إلى النتائج
وأعلن السيد غريب عن تغيير “منطقي” في العمق، تنفيذا للتعليمات الرئاسية القاضية “بجعل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار جهة الاتصال الوحيدة والفعلية والجاهزة تماما بالنسبة للمستثمر”، مشددا على الانتقال “من نظام مجزإ إلى نظام متكامل، ومن منطق إجرائي إلى منطق يقوم على النتائج”.
وفي هذا الإطار، تم الشروع في إصلاح شامل لهيكلة الوكالة حول أقطاب متخصصة تغطي جميع مراحل حياة المشروع، مع تأهيل كامل لممثلي الإدارات لدى الشبابيك الوحيدة، ليتحولوا من مجرد وسطاء إلى صانعي قرار، من خلال التكفل بضمان التحقيق في الملفات، وتحمل المسؤولية، وإصدار الوثائق والتراخيص في مكان واحد.

آجال إلزامية ورقمنة فعلية
وشدد الوزير الأول على أن الوقت هو “أثمن ما يملكه المستثمر”، لذلك أصبحت النصوص التنظيمية الجديدة تفرض آجالا صارمة وإلزامية لمعالجة الملفات، حيث أصبحت القاعدة العامة هي 15 يوما، و 20 يوما بالنسبة للمنشآت المصنفة. واعتبر أن هذا الإجراء ليس هدفا إرشاديا، بل “التزام تنظيمي واجب النفاذ”.
كما يتم تبسيط الإجراءات بتقليل عدد النسخ المطلوبة، والتحول نحو الرقمنة كوسيلة مفضلة للتبادل، لضمان “التتبع والشفافية وفعالية العمل الإداري”.
التوازن بين الاستثمار والبيئة والعمران
وفي إشارة إلى الإصلاحات القطاعية، أوضح السيد غريب أنه تمت مواءمة النصوص في مجالي التعمير والبيئة مع متطلبات الاستثمار. ففي مجال التعمير، وسعت الوكالة اختصاصاتها لتشمل معالجة وتسليم طلبات تراخيص التعمير، بما فيها رخص البناء. أما على الصعيد البيئي، فقد تم دمج نظام تقييم دراسات التأثير والمصادقة عليها ضمن الشبابيك الوحيدة، مع رد الإدارة في أجل إلزامي لا يتجاوز 15 يوما، محذرا من أن “لا يمكن اختيار تطور الاستثمار على حساب البيئة، كما لا ينبغي للمعايير البيئية أن تشكل عائقا منهجيا أمام الإنجاز الصناعي”.
العقار الاقتصادي: تقييم صارم وردود فورية
وأكد الوزير الأول أن النصوص الجديدة غيرت بشكل جوهري كيفية منح العقار الاقتصادي، من خلال شبكة تنقيط معدلة ودفتر شروط محين. وتمت ترقية تشكيلة مجلس إدارة الوكالة إلى مستوى الأمناء العامين للوزارات، مع تحديد آجال دقيقة توجب على الوكالة الرد على المستثمر في غضون 48 ساعة بعد قرار المجلس.
دعوة إلى المساهمة الجماعية
واختتم السيد سيفي غريب كلمته بدعوة الحضور إلى تبادل الأفكار وإثراء النقاش للمساهمة في “ديناميكية الاستثمار الجديدة”، وحث الوكالة على تعزيز جهودها لتسريع وتيرة تجسيد المشاريع، مؤكدا أن “التحدي يرقى إلى مستوى تطلعاتنا، والجزائر تمتلك الإرادة السياسية والآليات المؤسساتية والموارد البشرية اللازمة لرفعه بعزم وثبات”.










