خطا ملف ترشيح الأضرحة الملكية للجزائر القديمة (من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن السادس ميلادي) خطوة حاسمة نحو الإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بعدما أكد مركز التراث العالمي استيفاءه لجميع المتطلبات التقنية المحددة في التوجيهات التنفيذية لاتفاقية التراث العالمي لعام 1972، وأُدرج بذلك ضمن مسار التقييم الأولي من قبل الهيئات الاستشارية المختصة.
خمسة معالم جنائزية ملكية
ويشمل هذا الترشيح خمسة معالم أثرية جنائزية ملكية بارزة، تمثل شواهد حضارية على عمق الجزائر التاريخي وثرائها المعماري، وهي: الضريح الملكي إمدغاسن بولاية باتنة؛ والضريح الملكي ماسينيسا بالخروب في ولاية قسنطينة؛ والضريح الملكي لسيقا بولاية عين تموشنت؛ والمعلم الجنائزي لأبالسة – تينهينان بالأهقار في ولاية تمنراست؛ وأضرحة الجدار بفرندة بولاية تيارت.
قبول 35 ملفاً من أصل 60
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، باعتبار أنه من بين 60 ملف ترشيح تم إيداعها، لم يُقبل سوى 35 ملفاً وأُحيلت على الهيئات الاستشارية المختصة لمواصلة إجراءات التقييم. ويُعد هذا التقدم مرحلة مشجعة نحو الاعتراف الدولي بالقيمة الاستثنائية لهذه الشواهد التي تجسد العمق التاريخي والغنى المعماري والحضاري للجزائر منذ القدم.
من الذاكرة الوطنية إلى التراث الإنساني
لا يمكن فصل هذا التطور عن سياق أوسع يشهد تحركاً جزائرياً متزايداً نحو تثمين التراث الثقافي وإدراجه في المنظومة العالمية. فالأضرحة الملكية الخمسة ليست مجرد مبانٍ جنائزية، بل هي وثائق حجرية تؤرخ لمراحل مفصلية من تاريخ شمال إفريقيا: من الحقبة النوميدية وممالكها، إلى الامتدادات الصحراوية في الأهقار، وصولاً إلى المعالم الجنائزية الأمازيغية في تيارت. وتكمن قيمتها الاستثنائية في كونها تجمع بين البعد المعماري الفريد (كالضريح الملكي إمدغاسن الذي يُعد من أقدم المعالم الجنائزية الملكية في شمال إفريقيا) والبعد الرمزي المرتبط بالذاكرة الجماعية.
غير أن العبور إلى قائمة التراث العالمي لا يكتمل بمجرد استيفاء الشروط التقنية. فمرحلة التقييم التي تشرف عليها الهيئات الاستشارية (خاصة إيكوموس والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة) تتطلب إثبات “القيمة العالمية الاستثنائية” للموقع، ووجود نظام حماية وإدارة مستدام، وخطة تثمين تدمج السكان المحليين في مسار الحفاظ على المعالم. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل هذه المعالم الأثرية إلى مشاريع تنموية محلية، بدل أن تبقى مواقع معزولة أو مجرد وجهات سياحية موسمية؟
إن قبول الملف الجزائري ضمن 35 مقبولاً عالمياً هو بحد ذاته مؤشر على مصداقية الجهود الوطنية في مجال التراث. لكن الرهان الأكبر يبقى في القدرة على تجاوز “لحظة الترشيح” إلى “زمن التثمين”، وهو ما يستوجب استثماراً في البحث الأثري والتوثيق العلمي، وفي تكوين الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة المواقع وفق المعايير الدولية، وفي إشراك المجتمع المحلي كشريك في الحفاظ على هذه الشواهد، لا كمتفرج عليها.









