عادت اللجنة الكبرى المشتركة للتعاون الجزائري – السنغالي إلى الانعقاد، لتشكل الدورة السادسة التي احتضنتها الجزائر العاصمة من 11 إلى 13 أكتوبر الجاري، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، ونقطة انطلاق معلنة نحو “مرحلة جديدة” قوامها تعميق الحوار السياسي وتكثيف المبادلات وتجسيد مشاريع ملموسة وهيكلية.
وترأس أشغال هذه الدورة، التي تأتي تتويجاً لديناميكية دبلوماسية تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة، معالي السيد أحمد عطاف، وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ومعالي السيد شيخ نيانغ، وزير الاندماج الإفريقي والشؤون الخارجية والسنغاليين بالخارج لجمهورية السنغال.
ديناميكية سياسية متصاعدة
عكس البيان المشترك الصادر في ختام الأشغال، والذي اطلعت عليه “**”، ارتياح الطرفين للديناميكية الإيجابية المسجلة في العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بفضل اللقاءات والمباحثات بين رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ونظيره السنغالي فخامة السيد باسيرو ديوماي دياخار فاي، وكذا زيارة العمل التي قام بها الوزير السنغالي شيخ نيانغ إلى الجزائر يومي 25 و26 يوليو الماضيين.
واتفق الجانبان على تعزيز المشاورات السياسية المنتظمة، وتكثيف الزيارات وتبادل الوفود رفيعة المستوى، وتشجيع الزيارات القطاعية بين الإدارات والمؤسسات والهيئات المتخصصة في البلدين، في جو يسوده الثقة والاحترام المتبادل.
توافق على القضايا الإقليمية والدولية
على الصعيد متعدد الأطراف، أكد الطرفان تمسكهما بالمبادئ والأهداف المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، مشددين على ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى إصلاح المنظومة متعددة الأطراف، ولا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمنظومة المالية الدولية، بما يضمن تمثيلاً أكثر عدلاً وإنصافاً لإفريقيا ضمن هيئات الحوكمة العالمية.
وفي هذا السياق، جدد الجانبان تمسكهما بمبدأ “إيجاد حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية”، واتفقا على تكثيف التشاور والتنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود، والوقاية من الاتجار غير المشروع ومكافحته، فضلاً عن تعزيز القدرات وتبادل الخبرات.
كما جدد الطرفان دعمهما الثابت للقضية الفلسطينية وللحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة والقابلة للحياة وذات السيادة، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأحكام القانون الدولي.
إطار قانوني معزز واتفاقيات جديدة
على الصعيد القانوني والمؤسساتي، أعرب الطرفان عن ارتياحهما للتقدم المحرز في تحيين وتوطيد الإطار القانوني المنظم للتعاون الثنائي، حيث تم التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، مع الاتفاق على مواصلة المشاورات بصورة فعالة لاستكمال صياغة الصكوك القانونية التي لا تزال قيد التفاوض.
الاقتصاد والطاقة في صلب الشراكة
اقتصادياً، لاحظ الطرفان أن مستوى المبادلات الثنائية “لا يزال دون مستوى الإمكانات المتاحة وأوجه التكامل بين اقتصادي البلدين”، واتفقا على العمل من أجل توسيع المبادلات وتنويعها وترقية الاستثمارات وتطوير الشراكات بين المتعاملين الاقتصاديين.
وأكدا أهمية تعزيز دور مجلس الأعمال الجزائري – السنغالي باعتباره إطاراً مفضلاً للتواصل بين المؤسسات والشركات، وتسهيل استفادة المتعاملين الاقتصاديين من الفرص التي تتيحها أسواق البلدين، فضلاً عن الفرص التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وحظي قطاع الطاقة باهتمام خاص، باعتباره أحد المجالات التي تزخر بإمكانات كبيرة للشراكة، حيث أكد الطرفان إرادتهما في توسيع نطاق التعاون وتعميقه، لا سيما في مجالات الاستكشاف والإنتاج، والتكوين وتعزيز القدرات، وتبادل الخبرات والمعارف الفنية، والتكرير، والصناعات البتروكيماوية، والطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقوية.
كما شجع الجانبان المتعاملين الاقتصاديين على استكشاف فرص جديدة للشراكة والاستثمار في القطاعات ذات الأولوية، ولا سيما الصناعة والتجارة والاقتصاد، والزراعة والأمن الغذائي، والصناعات الصيدلانية، والبنى التحتية، والنقل، والخدمات، والرقمنة والتكنولوجيات.
التنمية البشرية والروابط الثقافية والروحية
في مجال التنمية البشرية، اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في ميادين التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني والابتكار وتنمية الكفاءات، مع إعرابهما عن إرادتهما في إعادة تنشيط برامج التبادل الجامعي والمنح الدراسية، وتشجيع تنقل الطلبة والأساتذة الباحثين والخبراء بين البلدين.
كما أبرز الطرفان الطابع المتميز للروابط التاريخية والروحية والثقافية التي تجمع الشعبين الجزائري والسنغالي، لا سيما من خلال التقاليد الصوفية والتبادلات الفكرية والدينية التي أسهمت، منذ زمن طويل، في التقريب بين الشعبين، معربين عن إرادتهما في تعزيز هذه الروابط عبر تطوير المبادلات الدينية والثقافية والعلمية والأكاديمية.
البنك الجزائري في داكار: رمز للتعاون المالي
أعرب الطرفان عن ارتياحهما لافتتاح بنك “Algerian Bank of Senegal (ABS)” في داكار، وأقرا بالدور الذي يضطلع به في تمويل الاقتصاد ومرافقة المؤسسات والشركات المحلية.
استقبال رسمي رفيع المستوى
وفي إطار الدورة السادسة، استُقبل رئيسا الوفدين من قبل الوزير الأول السيد سيفي غريب، في لقاء أتاح التأكيد مجدداً على الأهمية التي يوليها البلدان لتوطيد الشراكة الجزائرية – السنغالية وتعميقها، وكذا على ضرورة ترجمة التوجهات المتفق عليها إلى أعمال وإنجازات ملموسة.
آلية متابعة لضمان التنفيذ
اتفق الطرفان على أن التنفيذ الفعلي لمخرجات الدورة السادسة يشكل أولوية، وقررا ضمان متابعة منتظمة للالتزامات المتعهد بها، بما في ذلك تعيين نقاط اتصال على مستوى القطاعات الوزارية المعنية، وعقد اجتماعات دورية للمتابعة حضورياً أو عبر تقنية الاتصال المرئي، حسب الحاجة، مع إيلاء عناية خاصة لتحديد المشاريع ذات الأولوية وضبط جداول زمنية مناسبة لتنفيذها.
ختام يعكس الروح السائدة
وفي ختام الأشغال، أعرب رئيسا الوفدين عن ارتياحهما لجودة المباحثات ولروح الأخوة والثقة والتعاون التي ميزت أعمالها، مؤكدين عزمهما على إعطاء دفع جديد للعلاقات الجزائرية – السنغالية وتجسيد الإرادة السياسية المعبر عنها على أعلى مستوى في شكل أعمال ملموسة تخدم مصلحة الشعبين وفي إطار تعزيز التعاون الإفريقي.
من جانبه، أعرب الوفد السنغالي عن بالغ شكره وامتنانه للسلطات الجزائرية على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وكذا على الترتيبات التي اتُّخذت لضمان نجاح الدورة السادسة للجنة الكبرى المشتركة للتعاون.












