أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، اليوم الاثنين، أن زيارة رئيس حكومة إسبانيا، السيد بيدرو سانشيز، إلى الجزائر تمثل “محطة جوهرية” تعكس الإرادة السياسية المشتركة لدفع العلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب، بعد فترة من الفتور شهدتها العلاقات بين البلدين الجارين.
وأعرب الرئيس تبون، في تصريح صحفي مشترك مع الضيف الإسباني عقب مباحثات ثنائية، عن “بالغ ارتياحه” لإجراء مباحثات وصفها بـ”المثمرة”، مشيرًا إلى أن الزيارة تأتي في وقت تتسم فيه العلاقات العريقة بين البلدين بـ”حركية متزايدة” . وأوضح أن هذه الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها لرئيس الحكومة الإسبانية منذ عام 2020 ، تأتي في إطار التحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني، المزمع عقده خلال أكتوبر المقبل، وهو ما يمثل أهم آلية للتشاور السياسي والاقتصادي بين البلدين .
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، كونها تتويجًا لمسار طي صفحة الخلاف الدبلوماسي الذي نشب بين البلدين في عام 2022، على خلفية تغير موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية . وقد شهدت الأشهر الأخيرة تسارعًا في خطوات المصالحة، كان أبرزها إعادة تفعيل “معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون” الموقعة عام 2002، بعد تعليقها لسنوات .
دفعة قوية للعلاقات الاقتصادية
في الجانب الاقتصادي، الذي شكل محورًا رئيسيًا في المحادثات، شدد الرئيس تبون على أن “النفس الجديد” الذي يطبع العلاقات اليوم هو “محفز لرجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين”، ومن شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة للشراكات والاستثمارات المربحة للجانبين . وقد تضررت المبادلات التجارية بشدة خلال فترة الأزمة، حيث تراجعت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر من نحو 1.9 مليار يورو عام 2021 إلى مستويات قياسية منخفضة . غير أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى تعاف مطرد، حيث تضاعفت الصادرات الإسبانية ثلاث مرات مقارنة بالفترة التي أعقبت الأزمة مباشرة، ومن المتوقع أن ترتفع بنسبة 190 بالمائة خلال عام 2025 .
وفي هذا السياق، وقع الجانبان مؤخرًا على مذكرة تفاهم بين مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال، بهدف هيكلة مشاريع صناعية مشتركة، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في خطوة نوعية نحو الانتقال من التبادل التجاري إلى التصنيع المشترك . كما تم الاتفاق على تفعيل مجلس الأعمال الجزائري-الإسباني، ليكون إطارًا مؤسساتيًا دائمًا يجمع رجال الأعمال من البلدين .
قطاع الطاقة والملفات الإقليمية على الطاولة
لم تغب ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي عن جدول المباحثات. فالجزائر تعد المورد الأول للغاز الطبيعي لإسبانيا منذ ثلاث سنوات، مما يعزز مكانتها كشريك استراتيجي وموثوق في مجال أمن الطاقة، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها الأسواق الأوروبية .
كما تناولت المباحثات قضية الهجرة غير النظامية، حيث تشير تقارير إلى ارتفاع أعداد المهاجرين الواصلين إلى جزر البليار الإسبانية قادمين من السواحل الجزائرية، مما يضع ملف التعاون الأمني والهجري على رأس أولويات البلدين لاستعادة التنسيق المفقود .
وتأتي هذه الزيارة لترسيخ مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تقوم على أسس من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في خطوة تعكس براغماتية السياسة الخارجية الجزائرية ورغبتها في بناء شراكات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يخدم التنمية الاقتصادية ويعزز الاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط .










