في لفتة إنسانية تعكس عمق التلاحم بين الدولة والمواطن، وبتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وقف الوزير الأول السيد سيفي غريب، رفقة عدد من أعضاء الحكومة، يوم الجمعة 28 أوت 2026، إلى جانب عائلات الضحايا في مقبرة “دار البقاء” بمنطقة الجمعة بني حبيبي، ليشيعوا جثامين ضحايا الحرائق إلى مثواهم الأخير، في مشهد مهيب طبعته مشاعر الحزن الصادق والتضامن الأخوي.
جنازة وطنية
في صبيحة يوم الجمعة التي عمّ فيها الحداد أرجاء الوطن، احتضنت مقبرة “دار البقاء” مشهدًا استثنائيًا، حيث امتزجت دموع الأهل بحضور رسمي رفيع المستوى، وتوافدت جموع غفيرة من المواطنين، لم يمنعهم بعد المسافة ولا وهج الحرائق التي لازمت منازلهم، من أداء واجب العزاء والمشاركة في تشييع الجثامين، مؤكدين بذلك أن الأحزان في الجزائر تُقرأ بصيغة الجمع.
ووري جثمان الضحايا الثرى وسط أجواء خيم عليها الأسى العميق، فيما التمعت عيون الحاضرين، بين مسؤول وسياسي ومواطن بسيط، برهة صمت مؤثرة، كأنما الأرض بأسرها تنحني إجلالًا لأرواح ارتقت في لحظة لم تكن تنتظرها، لكنها أبقت في قلوب محبيها ذكرى لا تُمحى.
وبهذه المناسبة الأليمة، رفع سيفي غريب أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يتغمد الأرواح الطاهرة بواسع رحمته ومغفرته، ويسكنهم فسيح جناته، ويلهم أهلهم وذويهم جميل الصبر والسلوان، سائلًا المولى أن يمنّ على المصابين والجرحى بالشفاء العاجل والتام.
كما عبّر الوزير الأول، في مشهد إنساني نادر، عن وقوف الحكومة إلى جانب عائلات الضحايا، مؤكدًا أن الجزائر كلها تنحني اليوم إجلالًا لهذه الأرواح، وستظل وفية لذكراها، مضيفًا أن رئيس الجمهورية يتابع عن كثب كل التفاصيل، ويُصر على أن تظل الدولة حاضرة في كل لحظة، في السراء والضراء.
مشهد التضامن.. حين تتلاشى الفوارق
أبى المواطنون في جيجل والمناطق المجاورة إلا أن يكونوا شركاء في اللحظة الأخيرة مع عائلات الضحايا، متحدّين صعوبة الظروف وحجم الفاجعة، ليشكّلوا بحضورهم لوحة تضامن نادرة، جسّدت الروح الأصيلة للشعب الجزائري، الذي لا يعرف التفرقة في الملمات، ولا يترك جاره إلا وأيده تعانقه وقلبه يشاركه.
وشكّل تشييع الضحايا، بحضور رسمي وشعبي رفيع، رسالة واضحة بأن الألم في الجزائر وطن، والتلاحم قيمة لا تتنازل عنها الدولة مهما كانت الظروف، وأن ذكرى هؤلاء الأبرياء ستظل حاضرة في ضمير الأمة.
دولة حاضرة في المحن.. وعهد بالوفاء
لم تكن مشاركة الوزير الأول والوفد الحكومي مجرد واجب بروتوكولي، بل حملت في طياتها رسائل عميقة، مفادها أن الدولة الجزائرية، بقيادة رئيس الجمهورية، لن تترك أبناءها في لحظات الضعف، ولن تقف موقف المتفرج أمام الفقد والألم، بل ستظل إلى جانبهم، تساندهم، وتواسيهم، وتعاهدهم بأن لا تُنسى دمعة ولا تُهمل جرح.
في هذا اليوم الحزين، كان مشهد المقبرة بأكمله، بموقعه المتواضع وحضوره المهيب، درسًا في الإنسانية والوفاء، وتذكيرًا بأن الجزائر، بوطنها وشعبها وقادتها، تبقى عصية على الكسر، وأن روح التضامن فيها أقوى من لهيب النيران، وأن الموت وإن أخذ الجسد، يبقى الأثر في القلوب خالدًا لا يزول.














