لم يعد الشارع الفرنسي ذلك المكان الذي يمكن للحكومة أن تنتظر فيه انقضاء موجة الغضب، فمع دخول التعبئة ضد غلاء المعيشة أسبوعها الرابع على التوالي، بات واضحاً أن السلطة التنفيذية في باريس تواجه أزمة مركّبة: احتجاج شعبي واسع ومستمر، وعجز بنيوي عن تقديم استجابة مقنعة، وقرار سياسي مشلول بفعل اقتراب الاستحقاق الرئاسي وضغوط الميزانية.
تصعيد يُدار… ولا يُحلّ
يوم السبت 7 نوفمبر، خرج ما بين 146 ألفاً (حسب وزارة الداخلية) و250 ألفاً (حسب المنظمات الشبابية) في عموم فرنسا، بينهم 46 إلى 75 ألفاً في باريس . ورغم أن هذه الأرقام تتراجع مقارنة بالخميس 5 نوفمبر الذي شهد مشاركة 575 ألفاً وفق السلطات و1.6 مليون وفق النقابات ، فإن دلالة التراجع لا تعني انفراجاً. فقد كانت مظاهرات السبت الرابع، بحسب المراقبين، “هادئة أحياناً واحتفالية”، قبل أن تتحول عند نهاية المسار الباريسي في ساحة الأمة إلى مواجهات مع “مجموعات خطر” استخدمت فيها القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع .
الأهم أن هذا التصعيد لم يعد محصوراً في المطالب المعيشية الضيقة. فمنذ 17 أكتوبر، حين شهدت البلاد أعمال عنف ونهب واسعة أعقبتها موجة توقيفات وقيود على مسارات التظاهر، تحوّل الاحتجاج إلى اختبار لشرعية أسلوب الحكم نفسه. وزارة الداخلية أعلنت توقيف 232 شخصاً يوم 7 نوفمبر وحده، وأخضعت نحو 40 ألف شخص لرقابة وقائية في المحطات والمحاور المؤدية إلى مراكز المدن . هذا المستوى من الاستنفار الأمني (70 ألف شرطي ودركي، وآليات مدرعة، وطائرات مسيّرة) يكشف عن خيار استراتيجي: التعامل مع الغضب كمسألة “نظام عام” لا كمسألة “سياسات عامة”.
مؤتمر اجتماعي… بلا رهانات كبرى
كل الآمال عُلّقت الآن على “المؤتمر الاجتماعي” الذي يعقده رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو يوم الاثنين 9 نوفمبر مع النقابات وأرباب العمل ، لكن المؤشرات الأولية لا توحي بأن هذا اللقاء سيُنتج ما يوقف التصعيد. فالحكومة تتحدث عن “دفعة” استثنائية للحد الأدنى للأجور (الرفع من 1477 يورو صافياً إلى ما يتجاوز 1500 يورو)، بينما تطالب النقابات بزيادة 100 يورو صافية وربط الأجور بالتضخم ، وفي الوقت ذاته، يهدد أرباب العمل بـ”كارثة” إذا ما أُقرّت الزيادة دون تعويضات ضريبية، وهو ما يضع الحكومة بين فكي كماشة: إرضاء الشارع يستوجب أموالاً لا تملكها، وإرضاء أصحاب العمل يستوجب تنازلات ضريبية تزيد العجز الذي يخشى شركاء فرنسا الأوروبيون من تفاقمه.
والأخطر من ذلك أن هذا المؤتمر يأتي والبلاد على بعد أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية. فكل قرار يُتخذ الآن يُقرأ من زاوية حساب انتخابي، ما يعني أن الحكومة تميل بطبيعتها إلى الحلول الترقيعية قصيرة المدى، بدل المعالجة الهيكلية لأزمة القدرة الشرائية التي تتطلب إصلاحاً ضريبياً وإعادة توزيع للأعباء على مدى سنوات.
الفشل ليس في الأرقام… بل في المنطق
من السهل على باريس أن تشير إلى أن أعداد المتظاهرين تتراجع أسبوعاً بعد أسبوع. لكن هذا التراجع ليس مؤشر نجاح، بل هو نتيجة طبيعية لاستنزاف التعبئة من جهة، وانتظار نتائج المؤتمر الاجتماعي من جهة أخرى. والأخطر أن الغضب الأساسي لم يخفت. ففي كل مدينة فرنسية تقريباً، ثمة شهادات متطابقة: موظفة في القطاع الصحي في كليرمون فيران تقول إن “الغضب الشعبي يتصاعد” وإن الأسر باتت تساعد أبناءها بعد تخرجهم ؛ وعاملة اجتماعية في مرسيليا تصف كيف تضطر لشراء منتجات أقل جودة بسبب الأسعار ؛ وممرض شاب في تولوز يعبّر عن خشيته من المستقبل .
هذه الشهادات لا تعبّر عن “أزمة عابرة”. إنها تعبّر عن إحساس مترسّخ بأن الطبقة الوسطى والدنيا تدفع ثمن خيارات سياسية لم تُستشر فيها: تحول طاقي مكلف، وضغط على الخدمات العامة، وأجور راكدة منذ سنوات. وحين تكتفي الحكومة بالحديث عن “دفعة” للأدنى أجراً، فإنها لا تعالج جوهر المشكلة، بل تحاول احتواء الرمز.
ما بعد الاثنين
إذا لم يُنتج مؤتمر 9 نوفمبر نتيجة ملموسة وسريعة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التعبئة، لكن بشكل أكثر تشتتاً وعنفاً. فالنقابات، التي أعلنت أنها ستقرر في ختام اللقاء “مواصلة التحرك من عدمه” ، تجد نفسها اليوم أمام قواعد غاضبة لا تقبل وعوداً مؤجلة. وفي المقابل، فإن الحكومة التي تستعد لانتخابات رئاسية يهيمن عليها ملف القدرة الشرائية، لا تملك رفاهية الانتظار. لكنها أيضاً لا تملك الأدوات المالية لشراء السلم الاجتماعي، هذا هو مأزق باريس الحقيقي: ليس أنها لا ترى الغضب، بل أنها تراه وتفهم أسبابه، لكنها عاجزة عن تقديم ما هو أكثر من مسكّنات مؤقتة. والشارع الفرنسي، بعد أربعة أسابيع، أثبت أنه لم يعد يقبل المسكّنات.










