قدّم وزير الدولة، وزير المحروقات، السيد محمد عرقاب، السبت 17 أكتوبر 2026، عرضاً أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، في إطار دراسة مشروع قانون المالية لسنة 2027، استعرض خلاله حصيلة نشاط القطاع خلال سنة 2026، وتوجهاته الاستراتيجية وبرامجه التنموية وآفاق تطويره، إلى جانب مشروع ميزانيته للسنة المقبلة.
وجرت الجلسة بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، السيدة نجيبة جيلالي، ورئيس لجنة المالية والميزانية، السيد عبد الحفيظ بريمة، وعدد من نواب المجلس الشعبي الوطني وإطارات الوزارة. وفي مستهل عرضه، هنّأ السيد وزير الدولة أعضاء المجلس بمناسبة انتخابهم لعهدتهم التشريعية الجديدة، متمنياً لهم التوفيق في أداء مهامهم التشريعية والرقابية، ومثمّناً إتاحة الفرصة لعرض حصيلة القطاع وبرامجه وآفاقه.
سياق دولي متقلب ومكانة الجزائر كمورد موثوق
أكد السيد الوزير أن إعداد مشروع الميزانية القطاعية لسنة 2027 يأتي في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، انعكست على النمو العالمي وأسواق النفط والغاز، وأدت إلى تقلبات في الأسعار وتزايد المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات. وفي هذا السياق، أبرز مكانة الجزائر باعتبارها مورداً موثوقاً للغاز الطبيعي، مشيراً إلى تنامي الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري، وتجديد وتوقيع عقود توريد طويلة الأجل مع عدد من الشركاء، من بينهم إيطاليا وإسبانيا وسلوفينيا والتشيك وألمانيا.
حصيلة 2026: اكتشافات وارتفاع في الإيرادات
على الصعيد الوطني، سجّل قطاع المحروقات 17 اكتشافاً جديداً بجهد سوناطراك الخاص خلال سنة 2026، إضافة إلى زيادة في الإنتاج الأولي من المحروقات. وبلغت إيرادات الدولة من صادرات المحروقات 37.5 مليار دولار إلى نهاية سبتمبر 2026، مدعومة بارتفاع متوسط سعر البترول الخام الجزائري بنسبة 37 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ليبلغ نحو 97 دولاراً للبرميل، فيما بلغ متوسط سعر الغاز الجزائري المسوق نحو 11.3 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وسجّلت الجباية البترولية إيرادات بقيمة 2.841 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 105 بالمائة من التقديرات المعتمدة في قانون المالية لسنة 2026، والمقدرة بـ2.698 مليار دينار. وفي المقابل، بلغ الاستهلاك الوطني من المواد الطاقوية نحو 59 مليون طن مكافئ نفط، مدفوعاً أساساً بارتفاع الطلب على الغاز، وبدرجة أقل على المواد البترولية، لا سيما خلال موجة الحر والحرائق التي شهدتها البلاد خلال الصائفة الماضية.
وفي مجال تحلية مياه البحر، ارتفع إجمالي إنتاج المحطات المستغلة نهاية سبتمبر 2026 بنسبة 26 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وتستغل الجزائر حالياً 19 محطة بطاقة إجمالية تفوق 3.8 ملايين متر مكعب يومياً، بما يغطي نحو 42 بالمائة من الطلب الوطني على مياه الشرب. كما تجاوزت استثمارات سوناطراك 6 مليارات دولار خلال الفترة نفسها، مقابل 5.3 مليارات دولار سنة 2025، بارتفاع قدره 21 بالمائة. وبلغ عدد العاملين في قطاع المحروقات نحو 193 ألف عامل بنهاية السداسي الأول من سنة 2026، مما سمح بخلق مناصب عمل مباشرة جديدة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
استراتيجية تثمين الموارد ورفع الإنتاج إلى 2030
وفيما يتعلق بالآفاق التنموية، أوضح السيد الوزير أن القطاع يستهدف رفع الإنتاج الأولي للمحروقات إلى نحو 201 مليون طن مكافئ نفط بحلول سنة 2030، وزيادة نسبة تحويل المحروقات وتثمينها إلى أكثر من 50 بالمائة من الإنتاج الأولي، مقابل نحو 30 بالمائة حالياً.
ولهذا الغرض، تم تخصيص غلاف استثماري يقدر بنحو 71.6 مليار دولار لتطوير نشاط المحروقات، منها 52 مليار دولار لنشاط المنبع، ونحو 13 مليار دولار لمشاريع التكرير والبتروكيمياء. وتشمل أبرز المشاريع مصفاة حاسي مسعود الجديدة، ووحدة إنتاج ميثيل ثلاثي بوتيل الإيثر (MTBE) بأرزيو، ووحدة إنتاج الألكيل بنزين الخطي (LAB) بسكيكدة، إلى جانب مجمع إنتاج البولي بروبيلين (PDH-PP) بأرزيو، ومشروع مماثل بتركيا.
الفوسفات والأمن المائي في صلب البرامج التنموية
تطرّق السيد الوزير إلى مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بولاية تبسة ووادي الكبريت بولاية سوق أهراس، الذي يشهد تقدماً في تجسيد مكوناته، مع انطلاق الدراسات الهندسية التفصيلية ومواصلة تطوير منشآت التخصيب والتحويل الكيميائي والبنى التحتية للنقل والمنشآت المرفئية. ويستهدف المشروع استخراج 10.5 ملايين طن سنوياً من الفوسفات الخام وإنتاج 5.5 ملايين طن من الفوسفات المخصب القابل للتسويق، مع تخصيص نحو 3.2 ملايين طن سنوياً من الفوسفات المركز لمركب التحويل الكيميائي. كما يستهدف مركب وادي الكبريت، في مرحلته الأولى، إنتاج 2.4 مليون طن سنوياً من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن من الأسمدة الآزوتية.
ويرتكز المشروع على منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تربط منجم بلاد الحدبة بمركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت، عبر السكك الحديدية والمنشآت المرفئية بميناء عنابة، بما يعزز تثمين الموارد المنجمية، ويدعم الأمن الغذائي، ويوفر فرص العمل، ويسهم في تنويع الصادرات الوطنية.
وفي مجال الأمن المائي، وتنفيذاً لتوجيهات السيد رئيس الجمهورية، أشار السيد الوزير إلى إدراج برنامج لإنجاز ست محطات جديدة لتحلية مياه البحر في آفاق سنة 2030، بطاقة إجمالية تقدر بـ1.8 مليون متر مكعب يومياً، بما يسمح برفع نسبة تغطية الطلب الوطني على مياه الشرب بواسطة التحلية إلى نحو 60 بالمائة.
جاذبية الاستكشاف وشراكات دولية متنامية
وفي إطار تعزيز جاذبية قطاع المحروقات، أطلقت الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «ألنفط» جولة العطاءات الدولية «Algeria Bid Round 2026»، التي تشمل سبع رقع استكشافية موزعة على ولايات ورقلة وإليزي وتوقرت والبيض. وقد أبدت قرابة 60 شركة اهتمامها بالمشاركة، فيما استوفت 21 شركة شروط الولوج إلى حزم البيانات التقنية وغرف البيانات الافتراضية المتاحة منذ الفاتح من جوان 2026.
كما تواصل سوناطراك تطوير شراكاتها مع الشركات الدولية في ظل الإطار القانوني الذي يوفره القانون رقم 19-13 المتعلق بنشاطات المحروقات، من خلال عقود مع شركات من بينها «إيني» الإيطالية، و«برتامينا» الإندونيسية، و«ريبسول» الإسبانية، و«سينوبك» الصينية، و«أوكسيدنتال بتروليوم» الأمريكية. وفي إطار تعزيز حضورها الدولي وقدراتها العملياتية، تم توقيع عقد للحفر بين الشركة الفرعية لسوناطراك «إنافور» والشركة النيجيرية «سيبكس».
وبخصوص مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الرابط بين نيجيريا والجزائر عبر النيجر، أكد السيد الوزير استئناف المفاوضات وفق الجدول الزمني المقرر، وانطلاق أشغال إنجاز الشطر الجزائري بولاية أدرار يوم 4 جوان 2026، تنفيذاً لمخرجات الاجتماع الوزاري الخامس المنعقد بالجزائر العاصمة يوم 3 جوان 2026.
البيئة والرقمنة وتنمية الرأسمال البشري
وفي مجال حماية البيئة، أكد السيد الوزير مواصلة الجهود الرامية إلى خفض البصمة الكربونية لقطاع المحروقات، حيث تعمل سوناطراك على تقليص حجم الغاز المحترق إلى أقل من 1 بالمائة بحلول سنة 2030، والتخلص من الحرق الروتيني، والوصول إلى مستويات شبه منعدمة من انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بنشاطها. كما أبرز أهمية مشروع إعادة التشجير الذي تعتزم سوناطراك تجسيده على مساحة 520 ألف هكتار على مدى عشر سنوات، باستثمار يفوق مليار دولار، بما يسهم في تعزيز الغطاء النباتي ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية واستحداث فرص عمل عبر مختلف مناطق الوطن.
وفي مجال تنمية الرأسمال البشري، أشار السيد الوزير إلى البرامج التدريبية المتخصصة التي تطورها سوناطراك لتأهيل العاملين وتعزيز مهاراتهم، إلى جانب توسيع التعاون مع الجامعات لتطوير برامج تكوين تتماشى مع احتياجات القطاع. أما في مجال الرقمنة، فيعمل القطاع على تسريع تطوير الأنظمة المعلوماتية المتكاملة (ERP) على مستوى المؤسسات والهيئات التابعة له، لتحسين الإنتاجية والأداء، وترشيد تكاليف التسيير والتشغيل، وتعزيز التنسيق وتسريع اتخاذ القرار ودعم أمن المنشآت. كما تتواصل عملية تحديث المنصة الرقمية «تصاريح» في إصدارها الثاني (2.0)، المخصصة لاستخراج التراخيص والتصاريح المتعلقة باستيراد وتصدير المواد الحساسة، بهدف تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين الخدمات المقدمة للمتعاملين الاقتصاديين.
وعلى الصعيد الدولي، أكد السيد الوزير أهمية مشاركة الجزائر في مختلف الاجتماعات والتظاهرات متعددة الأطراف، لا سيما ضمن منظمة أوبك وتحالف أوبك+ ومنتدى الدول المصدرة للغاز والمنتدى الدولي للطاقة، بما يدعم الحوار والتنسيق بين الدول المنتجة، ويسهم في استقرار أسواق الطاقة وحماية المصالح المشتركة.
ميزانية 2027: تقديرات على أساس سعر مرجعي بـ60 دولاراً
وفي ختام عرضه، استعرض السيد وزير الدولة، وزير المحروقات، أبرز المؤشرات المالية لمشروع ميزانية القطاع لسنة 2027، التي تتضمن تقديرات للجباية البترولية بقيمة 2.652 مليار دينار، على أساس سعر مرجعي للنفط يقدر بـ60 دولاراً للبرميل. كما تقدر الميزانية القطاعية بنحو 63 مليار دينار، تخصص أساساً لبرنامج دعم سعر تحلية مياه البحر، إلى جانب الاعتمادات المخصصة لتسيير الإدارة العامة للقطاع.
ويعكس البرنامج التنموي والمالي للقطاع مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز الاستكشاف والإنتاج، وتثمين الموارد الوطنية، وتطوير الصناعات التحويلية، واستقطاب الاستثمارات والشراكات الدولية، ودعم الأمن المائي، وخفض الانبعاثات، وتحديث التسيير، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية الوطنية وتحقيق الأهداف المسطرة في آفاق سنة 2030.
وكان السيد وزير الدولة، وزير المحروقات، قد شارك بهذه المناسبة في وقفة ترحّم وإحياء لليوم الوطني للهجرة، تخليداً للذكرى الخامسة والستين لمظاهرات 17 أكتوبر 1961، التي ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني، السيدة خليدة بوفدش، بحضور السيدة وزيرة العلاقات مع البرلمان وعدد من السادة نواب المجلس.









