ودعت الجزائر، مساء اليوم الجمعة، إلى مثواه الأخير، جثمان أحد أبرز رجالاتها الروحيين والعلميين، الشيخ الدكتور سيدي محمد العيد التجاني، شيخ الزاوية التجانية بتماسين بولاية توقرت، الذي وافته المنية أمس الخميس عن عمر ناهز 72 عاماً، بعد مسيرة حافلة كرسها لخدمة العلم والدين والوطن.
وشُيع جثمان الفقيد في مشهد مهيب يعكس مكانته الروحية والعلمية، حيث امتدت جنازته من الزاوية التي قضى فيها عقوداً في العلم والإرشاد، إلى مثواه الأخير بمقبرتها، في حضور رسمي وشعبي كبير جسّد مكانة الرجل في وجدان الجزائريين.
حضور رسمي وشعبي مهيب

قاد مراسم التشييع وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، رفقة والي الولاية عثمان عبد العزيز، في موقف يعكس التقدير الرسمي لدور الفقيد ومكانته. كما حضر الخليفة العام للطريقة التجانية في العالم، الشيخ سيدي علي بلعرابي التجاني، وعميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، إلى جانب جمع غفير من الأئمة والمشايخ والمريدين وحشود من المواطنين، الذين وفدوا من مختلف المناطق لتوديع شيخهم ومربيهم.
وفي كلمة تأبينية بالمناسبة، استحضر وزير الشؤون الدينية والأوقاف مسيرة الفقيد الحافلة، مثنياً على جهوده في “خدمة العلم وتربية النشء والوعظ والإرشاد ونشر القيم والتعاليم الدينية”، وهي كلمات اختزلت مسيرة رجل قضى عمره في بناء الأجيال وتوعية المجتمع.
رسالة رئيس الجمهورية: فقدان لذخيرة الأمة
ولم تقتصر مكانة الفقيد على الحضور الشعبي والرسمي في جنازته، بل تجاوزتها إلى أسمى مراتب التقدير، عندما بعث رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، برسالة تعزية إلى عائلة المرحوم، أشاد فيها بمآثره الجليلة. وجاء في رسالة الرئيس أن الفقيد كان حريصاً على “الحفاظ على نهج الأوائل من الشيوخ والأئمة الذين أسسوا هذه الطريقة”، وأنه كان حاضراً في “مجالس الإصلاح وجمع الكلمة والسعي إلى لم الشمل، مع الحرص على تهدئة النفوس وتقريب القلوب”.
وقد اعتبر رئيس الجمهورية أن “رحيل مثل هؤلاء الرجال لا يشكل خسارة لعائلة أو زاوية فحسب، بل لجزء من الذاكرة العلمية والوطنية والروحية للجزائر”. وهذه الكلمات تكشف الأبعاد الثلاثة لإرث الفقيد: العلمي بدرجة الدكتوراه في الفيزياء، والوطني بجهوده الإصلاحية، والروحي بخلافته للزاوية التجانية.
رجل جمع بين أصالة العلم وحداثته
وُلد الفقيد سنة 1954 بتماسين، ونشأ في كنف أسرة علم وصلاح، حيث تلقى تعليمه الشرعي الأولي في الزاوية التجانية على يد والده الشيخ سيدي محمد البشير التجاني. لكن هذه النشأة التقليدية لم تمنعه من خوض غمار العلم الحديث، فتابع دراسته النظامية حتى توجها بالحصول على شهادة الدكتوراه في الفيزياء الصلبة من جامعة باريس، بعد مسيرة أكاديمية في جامعة قسنطينة.
وهذا المزيج الفريد بين العلوم الشرعية والفيزياء جعل من شخصيته نموذجاً نادراً للعالِم الذي لا يرى تعارضاً بين الأصالة والمعاصرة، بين علوم الشريعة وعلوم الكون، معتبراً أن كل المعارف هي طريق لخدمة الإنسان والحياة.
استمرار مسيرة الإمامة والإصلاح
في شهر يناير من عام 2000، تولى الفقيد مشيخة زاوية تماسين خلفاً لوالده، ليكون الخليفة التاسع بعد الخليفة الأكبر سيدي علي التماسيني. وحمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على الرسالة العلمية والتربوية والروحية التي توارثتها الزاوية عبر أكثر من قرنين من الزمن، فكان بحق واصلاً على درب الإصلاح والإرشاد والعمل الخيري والحث على العبادة وطلب العلم.
وقد ظلت الزاوية تحت قيادته منارة للعلم والتربية الروحية، تؤدي دوراً دينياً وثقافياً واجتماعياً مهماً، ليس في الجزائر فقط، بل في محيطها الإفريقي والعالمي، حيث يمتد إشعاع الطريقة التجانية إلى العديد من البلدان.

وداع لا يُنسى
وبهذا الرجل، تفقد الجزائر علماً من أعلامها، جمع بين العلم الشرعي والحديث، وبين الروحانية والإصلاح الاجتماعي، بين حفظ التراث والانفتاح على العصر. رحل جسدانياً لكن إرثه في العلم والتربية والإصلاح سيبقى خالداً في ذاكرة من عرفوه وتتلمذوا على يديه، وفي سجل الزاوية التي قضى عمره في خدمتها وخدمة قيمها النبيلة.



مبايعة الدكتور أحمد شوقي التجاني شيخًا للزاوية التجانية بتماسين
في أجواء روحانية مهيبة، جرت اليوم الجمعة بمقر الزاوية التجانية بتماسين مراسم مبايعة الدكتور سيدي أحمد شوقي التجاني شيخًا جديدًا للزاوية، خلفًا لسلفه الراحل الشيخ الدكتور محمد العيد التجاني، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 72 عامًا .
وشهدت المراسم التي أقيمت صبيحة اليوم حضورًا غفيرًا من مشايخ ومقدّمي ومريدي الطريقة التجانية، الذين توافدوا لمواكبة هذا الحدث الروحي البارز، الذي يؤسس لمرحلة جديدة في مسيرة هذه الزاوية العريقة التي تجاوز إشعاعها حدود الجزائر إلى عدة بلدان إفريقية .

ويُعد الشيخ الجديد من أحفاد المؤسس الأول للزاوية سيدي علي التماسيني، وتم تنصيبه بإشراف وحضور الخليفة العام للطريقة التجانية سيدي أحمد عرابي، حسب ما تقتضيه أعراف وتقاليد الطريقة .
وتعود جذور الزاوية التجانية بتماسين إلى عام 1803 ميلادية، حين أسسها الشيخ سيدي الحاج علي التماسيني، لتصبح على مر الزمن منارة للعلم والذكر والتربية والإصلاح، ومحطة يقصدها المريدون من داخل الجزائر وخارجها .
وبهذه المبايعة، يواصل الشيخ الجديد حمل مشعل هذه المدرسة الروحية والعلمية العريقة، مكملًا مسيرة أسلافه في خدمة العلم والذكر والتربية وإصلاح ذات البين، في امتداد لمسيرة زاوية ارتبط اسمها بتاريخ الجزائر وبالعلم والصلاح وخدمة المجتمع .










