دي ميستورا يدعو إلى مزيد من المفاوضات ويطالب بضغط أكبر من مجلس الأمن على الأطراف
أقرّ المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، بوصول المفاوضات الرامية إلى تسوية ملف تصفية الاستعمار إلى طريق مسدود، في اعتراف يعكس عمق الخلافات السياسية التي لا تزال تحول دون التوصل إلى حلّ عادل ودائم لقضية الصحراء الغربية، التي تظل قضية تصفية استعمار وحقّ شعب في تقرير مصيره.
وفي إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي يوم أمس 8 أكتوبر 2026، أوضح دي ميستورا أن الجولات التفاوضية الثلاثة التي عُقدت خلال الأشهر الأولى من العام في واشنطن ومدريد، رغم ما وصفه بالتقدم المحرز فيها، لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف. وقال إن المفاوضات اصطدمت بجدار يصعب تجاوزه من دون تحرك من مجلس الأمن.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن المساعي الدبلوماسية لم تفضِ إلى اتفاق، وأن مستقبل الصحراء الغربية لا يزال رهين معالجة جوهر النزاع، وفي مقدمته حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بحرية، بعيداً عن أي حلول مفروضة سلفاً.
المقترح المغربي ليس اتفاقاً نهائياً
وكشف دي ميستورا أن المغرب قدّم وثيقة من حوالي 40 صفحة بشأن الحكم الذاتي، واعتبرها أساساً يمكن الانطلاق منه في المفاوضات، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أنها ليست وثيقة جاهزة للاعتماد بصيغتها الحالية، وأن أي اتفاق بشأنها يتطلب مفاوضات إضافية.
وبالتالي، فإن وصف المقترح المغربي بأنه أساس للتفاوض لا يعني إقرار الأمم المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ولا يشكّل موافقة دولية نهائية على مضمون المقترح. فالفارق واضح بين مناقشة مبادرة سياسية وبين اعتبارها حلاً ملزماً قبل التوصل إلى اتفاق يحظى بقبول الأطراف المعنية ويضمن ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.
كما أن إقرار المبعوث الأممي باستمرار الخلافات يؤكد أن مستقبل الإقليم لا يمكن حسمه بمجرد تقديم وثيقة أو حشد التأييد الدبلوماسي لصيغة سياسية بعينها.
شرط أساسي: لا فرض للحكم الذاتي على الشعب الصحراوي
من أبرز ما ورد في الإحاطة تأكيد دي ميستورا أن الحكم الذاتي، أياً كانت الصيغة المقترحة له، «لا يمكن أبداً فرضه ببساطة على شعب الصحراء الغربية».
ويضع هذا الموقف مسألة الإرادة للشعب الصحراوي في صلب أي تسوية محتملة، بدلاً من التعامل مع المقترح المغربي باعتباره نتيجة محسومة ينبغي على جبهة البوليساريو قبولها مسبقاً.
ووفقاً لما أورده النص، ربط دي ميستورا أي صيغة للحكم الذاتي بعدة شروط أساسية ذكر منها: أن تكون ذات صلاحيات فعلية وليست مجرد تسمية، وأن تندرج ضمن عملية ذات مغزى لتقرير المصير، وأن تحظى بضمانات دولية قوية تكفل تنفيذها.
وتكشف هذه الشروط أن مجرد الإعلان عن الحكم الذاتي لا يكفي لإثبات أنه يلبّي تطلعات الصحراويين أو يضمن حقوقهم السياسية. فالمسألة الأساسية ليست اسم المقترح، بل مضمونه، ومدى حرية الشعب الصحراوي في تقرير مستقبله، والضمانات التي تحول دون فرض تسوية عليه أو تقويضها لاحقاً.
المفاوضات المقبلة: مناقشة لا قبول مسبق
أوضح دي ميستورا أن المطلوب من جبهة البوليساريو، بحسب تصوره للمفاوضات المقبلة، ليس القبول التلقائي بالمقترح المغربي، وإنما مناقشته وطرح الأسئلة بشأنه والمطالبة بتوضيح بنوده وتحسينها وتقديم مقترحات حول تفاصيله.
وهذا التمييز مهم، إذ لا تعني المشاركة في المفاوضات التخلي عن المواقف السياسية والقانونية لجبهة البوليساريو، ولا تشكّل بحد ذاتها قبولاً بالحكم الذاتي باعتباره الخيار النهائي لتسوية النزاع.
فجبهة البوليساريو، بوصفها ممثلاً للشعب الصحراوي في مسار التسوية الأممي، تتمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ومن ثمّ، فإن أي انخراط في نقاش المقترحات المطروحة ينبغي ألا يُفسَّر على أنه تنازل مسبق عن هذا الحق أو قبول بسيادة المغرب على الإقليم.
كما أن دعوة المبعوث الأممي إلى المرونة لا تقتصر، وفق ما ورد في الإحاطة، على جبهة البوليساريو، بل تشمل المغرب أيضاً. وهو ما يؤكد أن المسؤولية عن تجاوز حالة الجمود لا تقع على طرف واحد.
وفي هذا السياق، لا يكفي الحديث عن مؤسسات محلية أو صلاحيات إدارية إذا لم تكن هناك ضمانات حقيقية تكفل للصحراويين التحكم في شؤونهم السياسية والاقتصادية والقضائية والأمنية، والمشاركة الحرة في تحديد النظام الذي يحكم مستقبلهم.
وقد أشار دي ميستورا، وفق النص، إلى ضرورة أن يتضمن أي تصور للحكم الذاتي مؤسسات تتمتع بصلاحيات فعلية، وأن يتيح للاجئين الصحراويين العودة في ظروف آمنة وكريمة، مع ضمانات دولية تحول دون إلغاء النظام المقترح أو تقويضه بقرار إداري أو مرسوم.
لكن هذه الشروط تظل، في نهاية المطاف، جزءاً من تصور تفاوضي لم يُتفق عليه بعد، ولا يجوز تقديمها على أنها تسوية نهائية أو اعتبارها بديلاً تلقائياً عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
مبادرة الزيارات إلى العيون والداخلة: انفتاح إنساني لا تنازل عن الحقوق
تطرقت الإحاطة كذلك إلى مبادرة تتيح للاجئين الصحراويين القيام بزيارات فردية وطوعية إلى مدينتي العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع في الإقليم ومناقشة المقترحات المطروحة.
ووفقاً للنص، ردّت جبهة البوليساريو على المبادرة في 14 سبتمبر، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذها.
ويشير هذا الموقف إلى استعداد للتعاون بشأن مبادرة إنسانية، لكنه لا يعني قبول الجبهة بالمقترح المغربي أو التخلي عن موقفها بشأن تقرير المصير. فالتعاون مع الهيئات الأممية في المسائل الإنسانية لا ينبغي الخلط بينه وبين التنازل عن الحقوق السياسية للشعب الصحراوي.
كما تبرز هذه المبادرة أهمية عدم إغفال أوضاع اللاجئين الصحراويين، وضرورة أن تكون مشاركتهم في أي نقاش حول المستقبل طوعية وذات مغزى، بعيداً عن استخدام ظروفهم الإنسانية وسيلة للضغط السياسي.
لا اتفاق بعد، وتقرير المصير يبقى جوهر الحل
تعكس إحاطة دي ميستورا استمرار الخلاف بشأن طبيعة الحل السياسي للصحراء الغربية، لكنها لا تعلن التوصل إلى اتفاق، ولا تجعل المقترح المغربي تسوية نهائية معتمدة.
والنقطة الأهم في الإحاطة هي أن أي صيغة للحكم الذاتي لا يمكن فرضها على الشعب الصحراوي، وأن الوصول إلى اتفاق يتطلب مفاوضات إضافية وضمانات دولية وممارسة فعلية لحق تقرير المصير.









