وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجزائر بأنها “حليف” و”أحد أصدقائنا المقربين”، مشيداً بشراكة موثوقة تمتد إلى مجالات متعددة تتجاوز قطاع المواد الغذائية، في إشارة واضحة إلى تحالف استراتيجي يتجاوز البعد التجاري التقليدي.
تصريح بوتين: “لم نخذلهم أبداً”
جاءت تصريحات الرئيس الروسي خلال مشاركته، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، في منتدى ومؤتمر المنظمة الاجتماعية الروسية العامة “ديلوفايا روسيا” (منظمة “روسيا للأعمال”). وقال بوتين في كلمته: “إن الجزائر هي أحد أصدقائنا المقربين وحلفائنا، وتجمعنا بها علاقات طيبة للغاية. وبصفتنا زملاء عمل مشترك في المجال الاقتصادي، لم نخذلهم أبداً في أي ملف وعلى أي صعيد، كما لم يخذلونا هم أيضاً. إنهم شركاء على قدر عالٍ جداً من المسؤولية، وأكرر، في مجالات متعددة للغاية ولا تقتصر على المواد الغذائية فحسب”.
ويأتي هذا التصريح ليعزز الوصف الروسي الرسمي للجزائر، حيث سبق أن أشارت وكالة “سبوتنيك” إلى أن الجزائر تُعدّ “حليفاً وشريكاً موثوقاً” لروسيا، مؤكدة أن البلدين “لم يخذلا بعضهما البعض أبداً في التعاون الاقتصادي”.
خلفية العلاقات: من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية
لا تأتي تصريحات بوتين من فراغ، بل تستند إلى مسار طويل من العلاقات الثنائية التي شهدت تطوراً متسارعاً في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023، قام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بزيارة دولة إلى روسيا، أسفرت عن توقيع “إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة” بين البلدين.
وقد وصف بوتين، خلال لقائه مع تبون في الكرملين في سبتمبر 2026، العلاقات مع الجزائر بأنها “تحمل أهمية خاصة وطبيعة استراتيجية بالنسبة لروسيا”، مشيراً إلى أن التوقيع على إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة “سيسهم في تعزيز بناء العلاقات بين روسيا والجزائر”.
وفي جانفي 2026، هنّأ بوتين الرئيس تبون بمناسبة الذكرى 71 لاندلاع الثورة التحريرية، مبرزاً أن “العلاقات الجزائرية–الروسية تتطور بشكل ديناميكي ضمن روح الشراكة الاستراتيجية العميقة”، في تأكيد على استمرارية هذا النهج.
مجالات التعاون: ما هو أبعد من المواد الغذائية
تشير تصريحات بوتين إلى أن العلاقات الثنائية “لا تقتصر على المواد الغذائية فحسب”. وتؤكد الوقائع أن التعاون الروسي الجزائري يمتد إلى قطاعات حيوية عدة:
· الطاقة والمحروقات: تُعدّ قطاعات المحروقات والمناجم والطاقة من أبرز مجالات التعاون الواعدة، حيث دعت الجزائر الشركات الروسية الكبرى للمشاركة في جولة العطاءات الدولية “Algeria Bid Round 2026” التي تشمل سبعة مواقع استكشافية واعدة بالنفط والغاز.
· التعاون العسكري والتقني: كشفت تقارير دولية عن شبكة نقل جوي بين روسيا والجزائر، حيث تم رصد ما لا يقل عن 167 رحلة شحن جوي بين مارس 2025 وأبريل 2026، مما جعل الجزائر “أحد المحاور الرئيسية لشبكة الشحن العالمية التابعة لموسكو”.
· الصناعة والتكنولوجيا: أعربت الجزائر عن تطلعها لمشاركة الشركات الروسية في مشاريع استغلال وتحويل الحديد والفوسفات والزنك والمعادن الاستراتيجية، مع التأكيد على أهمية تطوير الشراكات في الصناعات التحويلية والطاقات المتجددة والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
· المعايير والمواصفات: يعمل البلدان على تطوير شراكة في مجال التوحيد القياسي، مما سيتيح للجزائر اعتماد المعايير الروسية، وبالتالي تبسيط التجارة المتبادلة بينهما.
رسائل متعددة الاتجاهات
يحمل وصف بوتين للجزائر بـ”الحليف” دلالات تتجاوز الإطار الثنائي ففي ظل الضغوط الغربية المتصاعدة على روسيا، تبرز الجزائر كشريك استراتيجي موثوق في شمال إفريقيا وحوض البحر المتوسط، وتُعدّ هذه الشراكة “ركيزة أساسية في صياغة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب”.
وتؤكد الدورة الـ13 للجنة الحكومية المشتركة الجزائرية–الروسية للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني، التي انعقدت في موسكو في جوان 2026، أن العلاقات الثنائية “تستند إلى رصيد تاريخي من التضامن والدعم المتبادل” يعود إلى فترة كفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، مما يمنحها بعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز المصالح الآنية.
شراكة تتجاوز التوصيف
لم يكن تصريح بوتين مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل جاء ليكرّس واقعاً استراتيجياً قائماً، فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي ومواقفها السياسية، باتت شريكاً محورياً لروسيا في إفريقيا والمنطقة المتوسطية، وفي المقابل، تجد موسكو في الجزائر حليفاً لا يتردد في التعبير عن دعمه رغم الضغوط الغربية، كما تجلى في تصريح الرئيس تبون بأن “الضغط الغربي لن يؤثر على دعمنا لروسيا”.
بهذا المعنى، لم يعد السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الجزائر “حليفاً” لروسيا من عدمه، بل حول الكيفية التي ستترجم بها هذه الشراكة الاستراتيجية إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على البلدين.









