في مشهد مهيب يعيد إلى الأذهان روح نوفمبر المجيدة، تحولت حرائق الغابات التي التهمت مساحات خضراء في شرق ووسط البلاد إلى ملحمة وطنية استثنائية، جسد فيها الجزائريون معنى التلاحم الذي لا تعرف النيران كيف تفتك به.
لم تكن مجرد قوافل محملة بالمواد الغذائية والأدوية والأغطية تلك التي انطلقت من كل ولايات الوطن باتجاه المناطق المنكوبة، بل كانت رسائل حب صامتة، تروي ظمأ العائلات التي فقدت منازلها وممتلكاتها، وتؤكد أن دماء الشهداء التي روّت تراب الوطن ما زالت تمنح أبناءه قوة خارقة على تجاوز المحن.
قافلة العطاء لا تتوقف
شهدت ولاية جيجل، التي كانت الأكثر تضررا من حرائق الغابات، توافدا كبيرا للقوافل التضامنية من مختلف أنحاء الوطن، حيث سارع مواطنون وجمعيات ومنظمات إلى إطلاق حملات واسعة لجمع المساعدات، في صورة اختصرت كل معاني التكافل التي طالما ميزت المجتمع الجزائري .
حيث ضرب المواطنون أروع الأمثلة في التآزر العفوي، بمختلف ولايات الوطن ، وقف جمع من المواطنين والتجار لتقديم هبات متنوعة من مياه معدنية وأفرشة وألبسة ومواد غذائية، في أجواء تعكس أصالة هذا الشعب .
تضامن مؤسساتي وشبابي متكامل
لم تقتصر الهبة على الأفراد والجمعيات، بل امتدت لتشمل مؤسسات الدولة بكل قطاعاتها، فقد سخرت وزارة الشباب مؤسساتها ومنخرطي النوادي التطوعية لدعم العائلات المتضررة، في تجسيد لقيم التكافل الوطني .
كما وجه الهلال الأحمر الجزائري قوافل تضامنية محملة بالأفرشة والأدوية والحفاظات ومختلف الاحتياجات الأساسية نحو ولايات جيجل وسكيكدة وعنابة، وفتح أبوابه لاستقبال الهبات وتنظيمها وتوجيهها حسب الأولويات .
جراح النفس قبل الجسد
إلى جانب المساعدات المادية، كانت الجروح النفسية أولوية قصوى، حيث بادرت خلايا التضامن الجوارية وفرق من الأطباء النفسانيين والأخصائيين الاجتماعيين إلى التوجه نحو مراكز الإيواء لمداواة جراح المتضررين، خاصة الأطفال الذين عاشوا صدمة فقدان منازلهم وممتلكاتهم .
وفي ولاية جيجل، نظمت ورشة نفسانية لفائدة 45 طفلا متضررا، أطرها أخصائيون نفسانيون، في إطار منظومة متكاملة للمرافقة النفسية والاجتماعية .
التنظيم.. ضرورة ملحة
وبقدر ما تعكس هذه الحملات روحا تضامنية تستحق التقدير، فإن اتساعها وتعدد القوافل يطرح تحديا ميدانيا، يتمثل في كيفية استقبال هذه المساعدات وتنظيم توزيعها على العائلات المتضررة بصورة عادلة ومنظمة .
فقد تحدث بعض الناشطين عن صعوبات واجهتهم في العثور على جهات محددة تستقبل القوافل وتوجهها، مما يستدعي من السلطات المحلية تحديد نقاط رسمية لاستقبال المساعدات، وتوفير فرق تتكفل بإحصائها وفرزها وتخزينها وتوجيهها .
الجزائر.. وطن يولد من الرماد أكثر قوة
في خضم هذه المأساة، كان الجزائريون يرددون: “قد تحترق الأشجار، لكن الجذور التي عانقت تراب الشهداء لا تموت”، وهذا ما تؤكده الهبة التضامنية التي جسدت أن الجزائر ليست مجرد أرض، بل روح تسكن أبناءها، وعهد لا ينكسر .
فكما وقف الأجداد في وجه الاستعمار، يقف اليوم أبناؤهم في وجه النيران، يكافحونها بالعزيمة والإيمان، ويؤكدون أن كل شجرة تحترق ستزرع مكانها ألف شجرة، وأن وطن الشهداء سيبقى دائمًا أخضر بقوة تلاحم أبنائه.









