في جلسة حاسمة شهدها مجلس الأمن الدولي، اليوم الجمعة بنيويورك، حول الصحراء الغربية ومناقشة مشروع القرار المتعلق بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، أعاد مندوب الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عمار بن جامع، ترتيب الأولويات الدولية وفق منطق الشرعية والقانون، مؤكداً بلهجة دبلوماسية حازمة أن حق تقرير المصير يظل “المرجع الأساسي” لتسوية القضية الصحراوية، وأن تجاهل هذا الحق لم يعد مقبولاً في منظومة الأمم المتحدة.
شكر لروسيا وموقف جزائري غير قابل للمساومة
استهل السفير بن جامع مداخلته بتوجيه شكر صريح للاتحاد الروسي على تقديمه مشروع القرار لتمديد مهمة المينورسو، في خطوة تعكس انفتاح الجزائر على كل جهد دولي جاد، لكنها لا تعني بأي حال التنازل عن الثوابت. وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي الجزائري، في تدخل وصف بـ”اللافت والمؤثر”، إن الجزائر “لا يمكن أن تبقى صامتة أمام تجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها”، في إشارة واضحة إلى أن الصمت لم يعد خياراً استراتيجياً في وجه أي محاولة لطمس الحقوق التاريخية للشعب الصحراوي.
تفاوض جاد لا فرض مواقف
لم يكتفِ بن جامع بتثبيت المبدأ، بل رسم ملامح المسار السياسي المطلوب، مشدداً على أن المفاوضات “يجب أن تكون مساراً صبوراً وجاداً يقود إلى السلام”، ومساراً يتطلب “الإصغاء المتبادل بين الأطراف المعنية وأخذ انشغالاتهم وتحفظاتهم بعين الاعتبار بعيداً عن فرض المواقف”. وهنا يبرز سؤال جوهري طرحه الدبلوماسي الجزائري بذكاء: إذا كانت الجزائر وموريتانيا قد شاركتا في العملية السياسية بنوايا حسنة، وعبرتا بصدق عن تحفظاتهما بشأن ما تضمنه نص مشروع القرار المقدم، فهل تم الإصغاء إليهما فعلياً؟
“لا يمكن منح سلطة الاحتلال ما لا تملكه”
في لحظة فارقة من مداخلته، وبعبارة دبلوماسية أعادت الأساسيات إلى نصابها، أطلق السفير بن جامع قاعدة قانونية وأخلاقية لا تقبل الجدل: “لا يمكن منح سلطة الاحتلال ما لا تملكه”. وهي عبارة تختزل جوهر الأزمة: فلا يمكن لسلطة الاحتلال أن تحصل على شرعية لا تملكها، ولا أن تمنح ما ليس ملكاً لها، ولا أن تُعامل كطرف يملك حق النقض على حقوق شعب واقع تحت الاحتلال.
ولم ينسَ الدبلوماسي الجزائري من يحاولون “أن يتناسوا” حقيقة إنسانية بديهية، فذكّر بأن “اللاجئين بشر، وليسوا مجرد أرقام”، في استحضار مؤثر لمأساة اللاجئين الصحراويين الذين يعيشون عقوداً من النزوح في ظروف قاسية، بعيداً عن أي خطاب إحصائي بارد.
تجربة الجزائر.. من التضحيات إلى الدفاع عن الحقوق
استحضر مندوب الجزائر الدائم تجربة بلاده في استعادة حق شعبها في تقرير المصير بعد “تضحيات جسام”، وهو استحضار تاريخي يمنح الموقف الجزائري عمقاً ومصداقية، إذ لا تدافع الجزائر عن حق تقرير المصير من موقع نظري، بل من موقع الدولة التي عاشت هذا الحق ودفعت ثمنه، وتواصل من هذا المنطلق الدفاع عن “حل عادل ودائم، يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها، ويستجيب لمبادئ الشرعية الدولية”.









