جددت لجنة الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب إدانتها للمملكة المغربية، بعد أن تبين لها مجددًا أن الرباط انتهكت حقوق معتقلين صحراويين على خلفية احتجاجات مخيم “كديم إيزيك” بالصحراء الغربية. وأكدت اللجنة، في قرارات نشرتها اليوم، أن عشر قضايا مماثلة تم فحصها حتى الآن ترسم “نمطًا متسقًا من الاعتقالات التعسفية، والعزل الانفرادي، وأعمال التعذيب أو سوء المعاملة أثناء الاستجوابات، والاستخدام اللاحق للاعترافات المنتزعة تحت الإكراه في الإجراءات القضائية”.
جاء ذلك بعد مراجعة أربع شكاوى جديدة تتعلق بمعتقلين جرى توقيفهم عقب تفكيك مخيم “كديم إيزيك” قرب مدينة العيون سنة 2010. وكان المخيم، الذي ضم أكثر من 20 ألف متظاهر، قد أقامه صحراويون يعيشون في الصحراء الغربية للاحتجاج على ما وصفوه بالتمييز وسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية هناك.
تفاصيل صادمة عن أساليب التعذيب
وبحسب الشاكين، فقد تم توقيفهم من قبل مسؤولين مغاربة في أعقاب تفكيك المخيم، وتعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء التوقيف والاستجواب والتنقل والاحتجاز. وزعم الشاكون أنهم تعرضوا للضرب المبرح، والحرق بالسجائر، والتهديد بالاغتصاب، وتعليقهم لساعات طويلة في ما يُعرف بوضعية “الدجاجة المشوية”، وتعذيبهم بـ”الفلاقة” (وهي ضرب باطن القدمين بقضيب حديدي)، واحتجازهم في العزل الانفرادي، والحرمان من الطعام والرعاية الطبية، ومنعهم من الوصول الفعلي إلى محامين أو استقبال زيارات عائلية.
“ليست حالات معزولة بل مشكلة هيكلية”
وقال بيتر فيديل كيسينغ، نائب رئيس اللجنة: “للأسف، هذه ليست حالات معزولة، بل تشير إلى مشكلة هيكلية في تعامل المغرب مع القضايا المرتبطة بأحداث كديم إيزيك”. وأضاف أن اللجنة كانت قد بتّت سابقًا في ست قضايا مماثلة أخرى، مشددًا على أنه “عندما تُطرح ادعاءات التعذيب مرارًا وتُتجاهل، تليها إدانات تستند إلى أقوال متنازع عليها، فإن مبدأ الحظر المطلق للتعذيب يصبح في خطر”.
القضاء المغربي رفض تسجيل الادعاءات
وأفاد الشاكون بأنهم أبلغوا عدة سلطات قضائية بأعمال التعذيب وسوء المعاملة التي تعرضوا لها، لكن قاضي التحقيق والنيابة العامة رفضا تسجيل تلك الادعاءات، وأحجما عن الأمر بالتحقيق فيها، بما في ذلك إجراء فحص طبي. وبعد ست سنوات فقط، أمر رئيس محكمة الاستئناف بالرباط بإجراء فحوصات طبية، لكنها لم تُجرَ من قبل أطباء مستقلين وفقًا لبروتوكول إسطنبول الدولي، ولم تكن بديلاً عن تحقيق فعّال.
“السلطات ملزمة بالتحقيق فورًا في علامات التعذيب”
وأكد كيسينغ: “عندما يمثل محتجز أمام السلطات القضائية وعليه علامات واضحة للتعذيب، فإن الدولة ملزمة بالتحقيق فورًا. واستبعاد الأدلة المنتزعة تحت التعذيب هو ضمانة جوهرية. يجب على السلطات التحقق من صحة الاعترافات المتنازع عليها قبل استخدامها ضد المتهم”.
أحكام بالسجن المؤبد و25 عامًا
وادعى الشاكون أنه بعد تعرضهم للتعذيب، أُجبروا على التوقيع أو بصم إصبعهم على بيانات لم يعرفوا محتواها، واستُخدمت تلك البيانات لاحقًا كدليل أساسي في الإجراءات الجنائية ضدهم. وقد حوكموا مع متهمين صحراويين آخرين أمام محكمة عسكرية عام 2013، ثم أمام محكمة الاستئناف بالرباط. وانتهى الأمر بإدانة الشاكين الأربعة، حيث صدر بحق اثنين منهم حكم بالسجن المؤبد، وبحق الآخرين حكمان بالسجن 25 عامًا.
انتهاكات متعددة للاتفاقية الدولية
وخلصت اللجنة إلى أن المغرب انتهك التزاماته بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب، بما في ذلك:
– الفشل في إجراء تحقيقات سريعة ونزيهة في ادعاءات التعذيب.
– عدم توفير ضمانات فعالة ضد التعذيب.
– التقصير في الإشراف على ممارسات الاحتجاز والاستجواب.
– انتهاك الحق في تقديم شكوى والحصول على جبر الضرر.
– استخدام أدلة منتزعة تحت التعذيب في الإجراءات القضائية.
“ليست مخالفات إجرائية معزولة” بل “مشكلة هيكلية”
وأشارت اللجنة إلى مخاوفها السابقة إزاء فشل السلطات المغربية في إجراء تحقيقات سريعة ونزيهة وفعالة في ادعاءات التعذيب، واستمرارها في استخدام الإفادات المنتزعة تحت التعذيب كدليل في قضايا سبق البت فيها. وفي القضايا الحالية، رأت اللجنة أن تكرار هذه الإخفاقات يشير إلى أنها ليست مجرد مخالفات إجرائية معزولة، بل مشكلة هيكلية في التعامل مع القضايا المتعلقة بتفكيك مخيم كديم إيزيك، ودعا كيسينغ المغرب إلى “اتخاذ إجراءات تصحيحية عاجلة لضمان عدم تكرار انتهاكات مماثلة”.
دعوات أممية للتعويض وإلغاء الأحكام
وطالبت اللجنة المغرب بإجراء تحقيقات نزيهة وشاملة في ادعاءات التعذيب، وفقًا للبروتوكول المنقح لاسطنبول، بهدف تقديم المسؤولين إلى العدالة. كما حثت الدولة المغربية على منح الشاكين تعويضًا كاملاً، يشمل جبرًا عادلاً ومناسبًا وإعادة تأهيل.
وطالبت اللجنة أيضًا بأن ينظر المغرب في مراجعة الإدانات الجنائية بحق الشاكين، وإلغائها عند الاقتضاء وفقًا للقانون المحلي. ودعت السلطات إلى ضمان وصول المعتقلين إلى أفراد عائلاتهم ومحاميهم وأطباء من اختيارهم، والامتناع عن أي ضغط أو ترهيب أو انتقام بحقهم.
لجنة الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب تدين المغرب بسبب “نمط مستمر” من التعذيب بحق معتقلي “كديم إيزيك”









