عقد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، برئاسة الجزائر، اجتماعاً استثنائياً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، خصص لتقييم التقدم المحرز في تنفيذ خارطة الطريق الرئيسية للاتحاد بشأن “إسكات البنادق في إفريقيا”، واستعراض العقبات التي لا تزال تعترض تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.
ويأتي هذا الاجتماع، الذي يكتسي أهمية بالغة، في توقيت دقيق تمر به القارة، حيث تتسع رقعة النزاعات وتتفاقم الأزمات الأمنية، مع اقتراب الموعد النهائي لعام 2030، وهو التاريخ المحدد لتحقيق هذا الطموح، بعد أن تعذر تحقيقه في عام 2020 .
الجزائر تدعو لتغيير النهج
في كلمته الافتتاحية، شدد ممثل الجزائر الدائم لدى الاتحاد الإفريقي، السفير محمد خالد، على الطابع الاستراتيجي لهذا الاجتماع، مؤكداً أن هدف “إسكات البنادق” يعد أولوية أساسية للاتحاد، وأحد المشاريع الرئيسية لأجندة 2063. ولم يكتفِ السفير خالد بالتأكيد على أهمية المبادرة، بل دعا إلى تجاوز مرحلة التقييم إلى مرحلة “إعادة تنشيط” المبادرة من خلال قرارات ملموسة وتسريع العمل على أرض الواقع.
ونقلت مصادر مطلعة عن السفير خالد قوله: “لا يمكن أن يكتفي هذا المجلس بتقييم مستوى التنفيذ، بل يجب أن يكون محطة فاصلة لإعادة تنشيط المبادرة. استمرار النزاعات والأزمات الأمنية في القارة، رغم تعدد الآليات والبرامج، يستدعي تغييراً جذرياً في النهج، والانتقال من الالتزامات النظرية إلى إجراءات فعالة وفورية”. وأضاف في عبارة لاقت صدى واسعاً: “إسكات البنادق يجب أن يكون هدفاً يومياً، وليس أجندة مؤجلة إلى عام 2030”.
ودعا السفير خالد إلى تقييم صريح للعقبات التي تحول دون تحقيق أهداف خارطة الطريق، ووضع توصيات عملية لتعزيز تنفيذها، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً داخل أروقة الاتحاد بأن المبادرة تعاني من جمود وضعف في التنفيذ .
تحديات ميدانية وتطور في طبيعة الصراعات
شهدت الجلسة مداخلات رفيعة المستوى من كل من الممثل السامي للاتحاد الإفريقي لإسكات البنادق، السيد محمد بن شمباس، والسيدة ليبراتا مولا مولا، مبعوثة الاتحاد الخاصة للمرأة والسلم والأمن، إضافة إلى ممثل مكتب الأمم المتحدة لدى الاتحاد الإفريقي.
ورغم إشادة المجلس بالجهود المبذولة في مجالات الدبلوماسية الوقائية والإنذار المبكر والتعاون الإقليمي، فإن التحديات الميدانية كانت حاضرة بقوة في النقاشات. فقد أعرب المجلس عن قلقه العميق إزاء استمرار النزاعات، وتصاعد الإرهاب والتطرف العنيف، والاتجار غير المشروع بالأسلحة، وهي ظواهر تهدد النسيج الاجتماعي في العديد من الدول .
الأكثر إثارة للقلق، وفقاً لتحليل الخبراء، هو بروز تهديدات جديدة مرتبطة بالفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، مما يعكس تطوراً في طبيعة الصراعات، ويستدعي تطوير آليات استجابة مبتكرة. وفي هذا السياق، شدد المجلس على ضرورة “سد الفجوة بين الإنذار المبكر والعمل المبكر”، وهي إشكالية مزمنة طالما رافقت عمل الاتحاد الإفريقي، حيث يتم رصد النزاعات دون القدرة الكافية على منعها أو احتوائها بسرعة .
تعزيز التمويل الإفريقي ومراجعة خارطة الطريق
لم يغفل مجلس السلم والأمن عن البعد المالي، الذي يعتبر أحد التحديات الجوهرية التي تواجه تنفيذ أجندة “إسكات البنادق” . فقد أكد المجلس على أهمية توفير “تمويل إفريقي مستدام وقابل للتنبؤ” لدعم تنفيذ المبادرة، داعياً إلى تعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. وتأتي هذه الدعوة في وقت تشهد فيه عمليات حفظ السلام الإفريقية عجزاً في التمويل، وتزايد الاعتماد على الدعم الخارجي، وهو ما يتعارض مع مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” .
وبالتوازي، رحب المجلس بتعزيز التعاون بين الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية، لإعداد خطة عمل مشتركة للفترة 2026-2030، إلى جانب دعم الدول الأعضاء في إدماج أهداف خارطة الطريق ضمن أطرها الوطنية. كما حث الدول الأعضاء على تسريع إعداد وتنفيذ خطط عمل وطنية متوائمة مع الخارطة الرئيسية، وتكثيف الجهود لمكافحة الانتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة والخفيفة .
وخلص الاجتماع إلى التأكيد على الالتزام بمواصلة العمل من أجل “إفريقيا تنعم بالسلام والأمن والاستقرار”، مع الإقرار بأن الطريق لا يزال طويلاً، وأن تحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس يتطلب إرادة سياسية جماعية، وآليات تمويل مبتكرة، وتجاوزاً للخطابات الإنشائية إلى أفعال ملموسة على الأرض.










