إن استئناف الحرب في تيغراي يعيد الإمارات العربية المتحدة إلى قلب المشهد الإثيوبي. فمنذ عام 2018، تحافظ أبوظبي على شراكة وثيقة مع حكومة أبي أحمد، رجل محمد بن زايد المقرّب، الذي يحافظ بدوره على علاقات جيدة مع النظام الإبادي في تل أبيب، شأنه شأن راعيه الإماراتي.
وتشمل هذه العلاقة الاقتصاد والأمن والتعاون العسكري. وقد أعلنت الإمارات في عام 2023 عن اتفاقيات استثمارية مع إثيوبيا بقيمة تقارب 6 مليارات دولار، خصوصاً في قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية.
وخلال الحرب التي دارت بين عامي 2020 و2022، قدمت الإمارات دعماً حاسماً لأديس أبابا، ولا سيما عبر الطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي، وهو ما أسفر عن سقوط آلاف القتلى، بينهم مدنيون أبرياء.
وعندما استؤنف القتال هذا الأسبوع في الشمال، سارعت أبوظبي إلى إعلان دعمها الحازم للحكومة الفيدرالية. وأدانت الإمارات هجوم جبهة تحرير شعب تيغراي، وجددت تمسكها بوحدة إثيوبيا وسلامة أراضيها.
لكن الدور الإماراتي يأخذ بعده الأكثر إثارة للإشكال في السودان. فقد كشفت التحقيقات الأخيرة عن وجود معسكر سري لتدريب قوات الدعم السريع في منطقة بني شنقول-قمز الإثيوبية، بالقرب من الحدود السودانية. وقد تم تدريب نحو 5 آلاف مقاتل فيه. وتؤكد عدة مصادر، من بينها مسؤول إثيوبي رفيع المستوى، أن الإمارات موّلت إنشاء المعسكر وقدمت مدربين ودعماً لوجستياً.
ولا تقتصر هذه المنظومة على المعسكر. فقد خضع مطار أسوسا، الواقع في المنطقة نفسها، لأعمال هدفت إلى تعزيز قدراته اللوجستية والعسكرية. كما أفاد مراقبون، من بينهم منظمات غير حكومية، بعمليات نقل معدات عسكرية موجهة إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية. وفي هذا المسار، يبرز صوماليلاند وميناء بربرة كنقطتي عبور.
وتمنح هذه البنية إثيوبيا مكانة خاصة في الاستراتيجية الإماراتية. فأديس أبابا توفر عمقاً جغرافياً وبنى تحتية قريبة من السودان، بينما تمتلك أبوظبي شبكة من المصالح تربط إثيوبيا وصوماليلاند والبحر الأحمر وخليج عدن. ويتيح لها هذا التموضع التأثير في آن واحد على طرق التجارة وعلى موازين القوى العسكرية في المنطقة.
ويأتي استئناف الحرب في تيغراي في بيئة إقليمية شديدة العسكرة أصلاً. ففي الشمال، تواجه أديس أبابا جبهة تحرير شعب تيغراي من جديد. وفي الغرب، تُستخدم أراضيها كعمق لوجستي لقوات الدعم السريع. وفي الوقت نفسه، تتدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا حول مسألة الوصول إلى البحر. وبالنسبة إلى أبوظبي، يصبح استقرار حكومة أبي أحمد وحماية مصالحها في البحر الأحمر مرتبطين ارتباطاً وثيقاً.
لذلك، تتجاوز القضية تيغراي وحدها بكثير. فقد أصبحت إثيوبيا نقطة ارتكاز رئيسية في المنظومة الإقليمية للإمارات.
ويجري الإعلان عن الدعم السياسي الإماراتي لأديس أبابا على الملأ، كما أن تورطها الموثق في المنظومة الموجهة إلى قوات الدعم السريع لا جدال فيه.
وهكذا، بين تيغراي والسودان وصوماليلاند والبحر الأحمر، بنت الإمارات حضوراً باتت آثاره المزعزعة للاستقرار محسوسة في مختلف أنحاء القرن الأفريقي.
ويعزز المشهد الإقليمي موقعها أكثر. فأبوظبي تتحرك على عدة جبهات في الوقت نفسه، مستندة إلى أديس أبابا، وإلى حلفائها في البحر الأحمر، وإلى شراكاتها مع عدد من الفاعلين في القرن الأفريقي.
غير أن إثيوبيا، التي تمثل معقلاً إماراتياً في المنطقة، تقيم اليوم علاقات شديدة التوتر مع مصر والسودان وإريتريا، على خلفية التنافس حول النيل والحدود والوصول إلى البحر.
وفي مواجهة أبوظبي، تسعى مصر وإريتريا وتركيا والسعودية والسودان إلى احتواء هذا النفوذ. ويجعل هذا التداخل إثيوبيا ساحة رئيسية للتنافس الإماراتي من أجل السيطرة على الممرات والموانئ وموازين الأمن في البحر الأحمر.
بقلم : عمار بلاني سفير سابق









