في ظل تصاعد اللعبة الدبلوماسية حول قضية الصحراء الغربية بعد الغموض الذي يلف مستقبل بعثة الأمم المتحدة، نقلت جبهة البوليساريو المعركة إلى قلب المؤسسات الأوروبية، فقد وجّه المسؤول عن مجموعة العمل المكلفة بملف الثروات الطبيعية والقضايا القانونية بالجبهة، أبي بشرايا البشير، خلال مشاركته في ندوة سياسية بمقر البرلمان الأوروبي، رسالة ضغط هي الأكثر مباشرة حتى الآن إلى الاتحاد الأوروبي: الكف عن التردد والمماطلة في تنفيذ قرارات محكمة العدل الأوروبية، واستغلال الفراغ الناجم عن عدم تجديد ولاية بعثة “المينورسو” لتبني موقف أكثر إيجابية، بدلاً من مواصلة سياسة “غض الطرف” عن سياسة الأمر الواقع المغربية.
“المنطقة الرمادية” بين الحكم القانوني والواقع السياسي
يستهدف نقد أبي بشرايا التناقض الذي تعيشه بروكسل بين التزاماتها القانونية ومصالحها الجيوسياسية. فرغم أن محكمة العدل الأوروبية كانت قد أصدرت في وقت سابق حكمًا يقضي ببطلان اتفاقيتي التجارة والصيد البحري الموقعتين بين الرباط والاتحاد الأوروبي لشمولهما الأراضي الصحراوية المحتلة، فإن المؤسسات الأوروبية لم تترجم هذا الحكم على مستوى التنفيذ إلى إجراءات سياسية واضحة. وأكد أبي بشرايا في الندوة التي حملت عنوان “نضالات الشعب الصحراوي اليوم: بعد 51 عامًا من اتفاقيات مدريد الثلاثية” أن تعليق هذا الاستحقاق القانوني لا يضر فقط بمصداقية الاتحاد الأوروبي في مجال سيادة القانون، بل يوفر عمليًا غطاءً لاستمرار المغرب في استغلال الثروات الطبيعية للصحراء الغربية.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة في ظل استمرار تعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. فرغم أن محكمة العدل الأوروبية أكدت مجددًا في أكتوبر 2024 الطابع المستقل قانونًا للصحراء الغربية عن المغرب، فإن تدابير التسهيلات التجارية المتعلقة بالمنتجات الزراعية ومصائد الأسماك لا تزال موضع جدل. وترى جبهة البوليساريو أن المعالجة التقنية التي اعتمدتها المفوضية الأوروبية — مثل استبدال “الصحراء الغربية” بعلامات منشأ مثل “الداخلة” أو “العيون” — تشكل التفافًا على روح قرار المحكمة. وقد شدد أبي بشرايا في مناسبات عدة على أن هذه الممارسات تفتقر إلى الأساس القانوني الدولي، لأن تحديد بلد المنشأ يجب أن يعكس السيادة وليس مجرد التقسيم الإداري.
جمود “المينورسو” وإلقاء المسؤولية على مدريد
على المستوى الأمني، حمّل أبي بشرايا إسبانيا والمؤسسات الأوروبية المسؤولية المباشرة عن عدم تجديد ولاية بعثة “المينورسو” في مجلس الأمن. وذهب إلى أن التحول الذي أعلنته مدريد في عام 2022 بدعمها العلني “لمخطط الحكم الذاتي” المغربي كسر التوازن الدقيق الذي استمر لسنوات، وأطلق ديناميكية سلبية داخل مجلس الأمن أدت في النهاية إلى تبادل الولايات المتحدة وروسيا لحق النقض على مشاريع القرارات، مما ترك البعثة في وضع قانوني من “العدم”.
ورغم أن هذا الإسناد للمسؤولية موضع خلاف في الأوساط الدبلوماسية، فإنه يعكس استراتيجية جبهة البوليساريو الرامية إلى وضع الدول الأوروبية في موقع المتهم أمام الرأي العام. فقد شدد أبي بشرايا على أن إنهاء مهمة حفظ السلام لا يعني إعفاء مجلس الأمن الدولي من مسؤوليته عن تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، ولا يمس بأي حال من الأحوال بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتقادم في تقرير مصيره وإحراز استقلاله. ودعا الاتحاد الأوروبي إلى استغلال الفراغ السياسي الحالي والقيام بدور “إيجابي” يتسق مع مصالح الاستقرار الإقليمي، بدلاً من الاستمرار في موقف المتفرج السلبي أمام الهجمات الدبلوماسية المغربية.
“سياحة الاحتلال”: جبهة جديدة في الحرب القانونية
في ختام الندوة، أُطلق تقرير ميداني أعاد توجيه الأنظار من القضايا الدبلوماسية والأمنية التقليدية نحو البعدين الاقتصادي والحقوقي. التقرير، الذي حمل عنوان “سياحة الاحتلال” وأطلقته مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية بالبرلمان الأوروبي، رصد بشكل منهجي كيف يعيد المغرب تشكيل مدن محتلة مثل الداخلة إلى وجهات ترفيهية موجهة للمستهلك الأوروبي، عبر الاستثمار في البنية التحتية السياحية وتخطيط خطوط الطيران وإبرام شراكات تجارية مع منصات الحجز الدولية.
وتقوم الفكرة المركزية للتقرير على أن هذا التطور السياحي ليس مجرد سلوك سوقي، بل يهدف على مستوى الإدراك إلى محو واقع الاحتلال وتغليف الأراضي المتنازع عليها كـ”منتج سياحي محسوم”. ويشير التقرير بشكل خاص إلى إطلاق شركات طيران منخفضة التكلفة لخطوط مباشرة إلى الداخلة، وإدراج منصات الحجز الدولية لهذه المدينة ضمن المغرب عند تحديد الموقع الجغرافي، معتبرًا أن هذه الممارسات التجارية تخدم عمليًا جهود المغرب لدمج الصحراء الغربية في منظومته الاقتصادية والإدارية، وقد تنطوي على انتهاك لمبدأ السيادة الدائمة للشعب الصحراوي على موارده الطبيعية بموجب القانون الدولي.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن توقيت نشر هذا التقرير يحمل دلالة خاصة. فهو يتزامن مع نقاش داخل البرلمان الأوروبي حول ما إذا كان ينبغي فرض عقوبات على الشركات المعنية، كما يوفر لجبهة البوليساريو أرضية إعلامية لتحركاتها القانونية اللاحقة أمام المحاكم الأوروبية ضد كيانات تجارية محددة. وقال أبي بشرايا في مؤتمر صحفي إن المسار القانوني لا يزال أداة الضغط الأكثر فعالية، والهدف لا يقتصر على إبطال الاتفاقيات بين الدول، بل يمتد إلى تعريض الشركات الأجنبية المشاركة في التنمية الاقتصادية بالصحراء الغربية لمخاطر قانونية فعلية وتكاليف سمعة.
ومع استمرار تعطل “المينورسو” وتصاعد الجدل حول تنفيذ قرارات محكمة العدل الأوروبية، تجد بروكسل نفسها أمام معادلة متزايدة التعقيد: كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب من دون أن تُتهم بأنها “شريكة” في الاحتلال. ويبدو أن تحركات جبهة البوليساريو المزدوجة في بروكسل — مطالبة المؤسسات السياسية بكسر الصمت من جهة، واستخدام القانون والتقارير كأسلحة تستهدف السلاسل الاقتصادية من جهة أخرى — تهدف بوضوح إلى إجبار الاتحاد الأوروبي على حسم خياره في هذا التناقض.











