في تطور دبلوماسي غير مسبوق، انتهى تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) دون تجديد، بعد فشل مجلس الأمن في اعتماد أي من مشروعي القرار الأمريكي والروسي، مما يفتح الباب أمام أسئلة قانونية وميدانية دقيقة حول مستقبل البعثة وطبيعة وجودها.
بعد جلسة ماراثونية انعقدت اليوم 30 أكتوبر 2026، عجز مجلس الأمن الدولي عن اعتماد أي من مشروعي القرار الأمريكي والروسي المتعلقين بتمديد ولاية بعثة المينورسو، وذلك بعد أن استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد المشروع الأمريكي، لترد الولايات المتحدة باستخدام الفيتو ضد المشروع الروسي. وبذلك، يدخل ملف الصحراء الغربية مرحلة مؤسساتية دقيقة، إذ ينتهي التفويض الحالي للبعثة بموجب القرار 2797 (2025) في 31 أكتوبر 2026، دون صدور قرار جديد بالتمديد.
انتهاء التفويض.. فراغ قانوني لا يعني الحسم
من الناحية القانونية، لا يعني عدم صدور قرار من مجلس الأمن الحل الفوري للبعثة أو إنهاء وجودها الميداني تلقائياً، بل يعني انتهاء الصلاحيات التي منحها إياها المجلس بموجب التفويض السابق، ما لم يُعتمد قرار جديد يعيد تجديد الولاية. وهنا يبرز تمييز جوهري بين انتهاء ولاية المينورسو وبين مستقبل قضية الصحراء الغربية ذاتها.
فعدم قدرة مجلس الأمن على تجديد تفويض البعثة لا يترتب عليه أي تغيير تلقائي في الوضع القانوني للإقليم. كما أن هذا الوضع الجديد لا يشكل بأي حال اعترافاً بالأمر الواقع الاستعماري، ولا يؤدي إلى إسقاط القرارات الأممية السابقة أو إنهاء مسار التسوية السياسية الذي ترعاه الأمم المتحدة. فالقرارات السابقة تظل قائمة من حيث آثارها ومضامينها السياسية والقانونية، ما لم يصدر قرار لاحق يعدلها أو يستبدلها، ويظل حق تقرير المصير حاضراً في المرجعية الأممية لهذا النزاع.
أزمة آلية.. لا أزمة قضية
إن الأزمة الراهنة تتعلق أساساً بآلية إدارة الأمم المتحدة للملف ومستقبل بعثة المينورسو، وليس بحسم الوضع النهائي للإقليم أو إنهاء النزاع من الناحية القانونية. فالفيتو المزدوج لا يعني إخفاقاً دبلوماسياً عادياً أو عابراً، بل يكشف حقيقة وجود أزمة توافق داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل المينورسو والمرجعية التي ينبغي أن تحكم تسوية النزاع، دون أن ينحاز إلى أي من الطرفين أو يمس السيادة على الإقليم.
تداعيات ميدانية محتملة
هذا الوضع يضع البعثة أمام إشكالية قانونية تتعلق باستمرار أنشطتها بعد انتهاء التفويض، وهو ما قد يترتب عنه تداعيات على مراقبة وقف إطلاق النار والعمل الميداني والمسار السياسي. فغياب قرار جديد قد يترك فراغاً في آليات المراقبة والتحقق، ويؤثر على قدرة البعثة على الاضطلاع بمهامها في ظل غياب سند قانوني صريح.
خيارات مجلس الأمن
تضع هذه المرحلة مجلس الأمن أمام مسؤولية جادة في إيجاد مخرج قانوني لهذا التطور غير المسبوق. ولا تبدو الخيارات المتاحة أمامه واسعة: فإما التوافق على قرار جديد يمدد ولاية المينورسو، أو اعتماد صيغة مؤقتة تضمن استمرارية بعض مهامها، أو إعادة النظر في طبيعة وجودها واختصاصاتها وفق مقتضيات تسوية سياسية متوافق عليها.
خلاصة
إن ما جرى اليوم لا يعني نهاية القضية ولا حسمها، بل يعكس تعقيداً متزايداً في إدارة الملف الأممي. وبينما يبقى الوضع القانوني للإقليم وحق تقرير المصير في المرجعية الأممية دون تغيير، فإن السؤال المطروح اليوم يتعلق بمستقبل آلية الأمم المتحدة في ظل استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن. والأكيد أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة المجلس على تجاوز أزمة التوافق وإيجاد صيغة تضمن استمرارية العمل الأممي دون المساس بالثوابت القانونية والسياسية للملف.









