وجه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، كلمة جسدتها رئيسة المجلس الشعبي الوطني خليدة بوفدش، في كلمة أرادتها أن تكون أكثر من مجرد خطاب، بل بيان مبادئ في زمن يموج بالتحولات الكبرى.
“ليس موقفاً من الماضي، ولا حُلماً دبلوماسياً عابراً”
بهذه العبارة الحاسمة، وضع رئيس الجمهورية الجزائرية الحركة أمام مرآة هويتها، مؤكداً أن عدم الانحياز يظل “خياراً سيادياً متجدّداً” تفرضه التحولات العميقة للعالم، لا مجرد إرث تاريخي يُستعاد في المناسبات. في كلمته التي تلاها نيابة عنه رئيسة البرلمان، بدا واضحاً أن الجزائر تنظر إلى الحركة بعين القائد لا المؤرخ، وبمنطق الفاعل لا المتفرج.
فالرئيس تبون، الذي حرص على توجيه التحية لصربيا حكومةً وشعباً، وللرئاسة الأوغندية على جهودها، لم يكتفِ بالبروتوكول الدبلوماسي، بل مضى سريعاً إلى صلب الرسالة: الحركة اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة دورها ككتلة موحدة، ليس فقط لمواجهة التحديات، بل لإعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.
فلسطين.. والمسؤولية التاريخية
وفي لحظة كانت الأكثر حضوراً في النص، استحضر رئيس الجمهورية المشهد الفلسطيني، ليس كقضية طارئة، بل كاختبار حقيقي لمدى مصداقية المجتمع الدولي. فما يحدث في غزة والضفة، وفق الرؤية الجزائرية، ليس مجرد نزاع محلي، بل حرب إقليمية واسعة النطاق تضع حركة عدم الانحياز أمام مسؤوليتها التاريخية.
الرسالة هنا كانت واضحة: إما أن تكون الحركة صوتاً واحداً في وجه الانتقائية والازدواجية، أو تتحمل تبعات صمتها. وهو ما دفع الرئيس تبون إلى التأكيد على أن “تطبيق القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائياً”، في إشارة واضحة إلى ما وصفه بـ”سياسة الكيل بمكيالين” التي باتت سمة العلاقات الدولية.
من بومدين إلى تبون.. استمرارية النهج
لم تغفل الكلمة الإرث النضالي للجزائر، بل استعادته بفخر، حين ذكرت نداء الرئيس الراحل هواري بومدين في قمة 1973 بالجزائر، من أجل نظام اقتصادي عالمي جديد. ذلك أن الجزائر، كما تقول الكلمة، لم تكن يوماً مجرد عضو في الحركة، بل كانت “قبلة الثوار” ومناصرة لحركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وهو ما يعيد اليوم طرح سؤال جوهري: هل يمكن لحركة عدم الانحياز، بزخمها البالغ 120 دولة، أن تتحول من قوة رقمية إلى قوة مؤثرة فعلياً في تشكيل التوازنات الدولية؟
رسالة ختامية: التكامل بدل التشرذم
في ختام الكلمة، لم تخرج الجزائر عن سياق التحدي، بل أكدت قناعتها بأن الطريق إلى المستقبل يمر عبر “التكامل والتشاور والترابط” بين دول الحركة، بعيداً عن أي تبعية أو انقسام. وكأن الرئيس تبون يقول للعالم، وللحركة نفسها: “إما أن نكون كتلة واحدة تتحكم في قراراتها، أو نبقى رهائن لمنطق القوة الذي نرفضه”.
خلاصة المشهد
ما حملته كلمة الجزائر في بلغراد، لم يكن مجرد مشاركة في احتفال، بل محطة تقييم ومراجعة، في وقت تعود فيه ملامح الحرب الباردة لتطل برأسها، وتتآكل فيه شرعية المؤسسات الدولية. الجزائر، التي كانت دوماً في قلب الحركة، اختارت اليوم أن تكون ليس فقط حامية لذكرى التأسيس، بل صوتاً متجدداً لمبادئ تبحث عن هوية جديدة في عالم متغير.









