افتتح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أعمال الجمعية العامة في دورتها الثمانين، بكلمة حذّر فيها من أن “شرعية مجلس الأمن أصبحت هشة”، داعيًا إلى إصلاح عاجل يوسّع عضويته ويمنح أفريقيا وآسيا تمثيلًا دائمًا، في ما يُعدّ مشاركته الأخيرة على رأس المنظمة الدولية بعد عشر سنوات من توليه المنصب.
“زمن الاضطراب المتهور”
وصف غوتيريس حالة العالم قائلاً إنه “دخل عصر الاضطراب المتهور والمعاناة الإنسانية المتواصلة”، محذرًا من أن الإفلات من العقاب بات جذور الصراعات الحديثة. وأشار إلى أن “الشرعية الهشة” لمجلس الأمن قد تعرّض السلام العالمي للخطر إذا بقي عاجزًا عن الوفاء بغرضه الأساسي.
إصلاح “ضروري وطال انتظاره”
شكّلت قضية إصلاح مجلس الأمن محور كلمة غوتيريس، حيث أكد أن الإصلاح “ضروري وطال انتظاره كثيرًا من أجل ضمان النظام والأمن العالميين، وهذا يشمل توسيع العضوية”. وأوضح أن المجلس المكوّن من 15 عضوًا، بينهم خمسة دائمين يملكون حق النقض، لم يعد يعكس واقع العالم الراهن: “لدينا ثلاثة أعضاء أوروبيين دائمين – فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا – وعضو آسيوي واحد فقط. لا يوجد أعضاء من أمريكا اللاتينية ولا من أفريقيا”.
ولفت إلى مفارقة صارخة: القارة الأفريقية تستضيف ما يقرب من نصف بعثات حفظ السلام الأممية، ومع ذلك لا تملك صوتًا دائمًا على طاولة المجلس. ودعا إلى “إضافة دولتين أفريقيتين وزيادة التمثيل الآسيوي”، معتبرًا أن التوسيع “لا يقتصر على العدالة فحسب، بل يحمل في طياته القدرة على تجاوز الجمود وتوفير الاستقرار” في عالم متعدد الأقطاب.
حق النقض تحت المجهر
انتقد غوتيريس استخدام حق النقض (الفيتو) الذي تملكه القوى الخمس الدائمة، معتبرًا أنه “غالبًا ما يعرقل قدرة المجلس على التصرف بحسم في الأزمات العالمية”. ورحّب بالمقترح الذي تقدّمت به فرنسا والمملكة المتحدة لتقييد استخدام الفيتو في حالات محددة، قائلاً: “سيكون أمرًا مثيرًا للاهتمام حقًا أن ينظر أعضاء المجلس بجدية في تلك المقترحات”.
مشاركة أخيرة بعد عشر سنوات
تأتي هذه المشاركة الأخيرة لغوتيريس على رأس الأمم المتحدة بعد عشر سنوات من قيادة المنظمة الدولية، ليكون هذا الافتتاح بمثابة وداع رسمي لمسيرة حافلة. وخاطب أعضاء المجلس قائلاً: “من الواجب إنشاء هيئة قادرة على مواجهة تحديات الثمانين عامًا القادمة، وتحقق العدالة والأمان للجميع. اجعلوا هذه القاعة جديرة بآمال كل رجل وامرأة وطفل”. وشدّد في ختام كلمته: “لا يجب أن نستسلم أبدًا. أنا لن أستسلم، أبدًا”.
أزمة ثقة أعمق
لم يقتصر خطاب غوتيريس على الجانب المؤسسي، بل تطرق إلى جوهر أزمة الثقة في المنظمة الدولية. فحذّر من أن تجاوزات بعض الدول لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة “لا تؤدي فقط إلى تعطيل العمل في اللحظة الراهنة، بل تُقوّض الثقة في مشروع الأمم المتحدة بأكمله”. وأضاف: “عندما تتجاوز دولة ما القواعد، تعتقد دول أخرى أن لديها رخصة لفعل الشيء نفسه. والتاريخ يخبرنا، بوضوح قاسٍ، إلى أين يؤدي ذلك الطريق”.
دعوة ملحّة للمجتمع الدولي
في ظل انقسامات حادة بين القوى الكبرى، ومع تصاعد النزاعات من غزة إلى أوكرانيا والسودان، يبدو أن دعوة غوتيريس لإصلاح مجلس الأمن لم تعد مجرد مطلب مثالي، بل ضرورة وجودية لمنظمة تواجه خطر فقدان مصداقيتها في نظر شعوب العالم. وستبقى الكلمة الأخيرة للمجتمع الدولي الذي سيتحدد مصير هيكل الأمن العالمي بناءً على مدى استعداده لتجاوز حسابات المصالح الضيقة نحو نظام دولي أكثر عدالة وتمثيلًا.










