فجع الشعب الجزائري مساء اليوم، بفقدان أحد أبرز رجالات الدولة في العقد الأخير من القرن الماضي، الرئيس الأسبق المجاهد اليامين زروال، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد صراع مع مرض عضال، داخل المستشفى العسكري محمد الصغير نقاح بالعاصمة.
وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نعت رئاسة الجمهورية الفقيد، معلنة حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من اليوم، على كامل التراب الوطني، وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني، في لفتة تعكس المكانة الاستثنائية التي كان يحتلها الراحل في وجدان الدولة والمواطنين.
مسيرة عسكرية وسياسية حافلة
ولد الفقيد في 3 جويلية 1941 بمدينة باتنة، حيث نشأ في كنف الثورة الجزائرية، فالتحق بصفوف جيش التحرير الوطني وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة، مشاركاً في ثورة التحرير المباركة بداية من عام 1957. بعد الاستقلال، تلقى تكوينا عسكريا في الاتحاد السوفياتي، ثم في المدرسة الحربية الفرنسية سنة 1974.
تقلد زروال عدة مسؤوليات كبرى في الجيش الوطني الشعبي، حيث كان قائداً للمدرسة العسكرية بباتنة، ثم الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، قبل أن يتولى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بلغت مسيرته العسكرية ذروتها بتعيينه قائداً للقوات البرية، ثم قائداً لأركان الجيش الوطني الشعبي.
رجل المرحلة الانتقالية
في سنة 1989، قدم استقالته من منصب قائد الأركان، ليعين سفيراً في رومانيا عام 1990. لكن الظروف الوطنية دفعته للعودة إلى الواجهة، فعين وزيراً للدفاع الوطني في 10 جويلية 1993.
وفي 30 جانفي 1994، عين رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد خلفاً لعلي كافي، في فترة انتقالية عصيبة كانت الجزائر تمر فيها بأخطر أزمة في تاريخها. ليصبح بعد ذلك أول رئيس للجمهورية ينتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر 1995.
انسحاب طوعي في تقليد ديمقراطي نادر
في 11 سبتمبر 1998، اتخذ الرئيس زروال قراراً مفاجئاً بإجراء انتخابات رئاسية مسبقة، لينهي عهدته في 27 أفريل 1999. وعاد بعدها إلى منزله في مسقط رأسه بباتنة، معتزلاً الحياة السياسية، في تقليد ديمقراطي نادر في المنطقة، جسد فيه أن تسليم السلطة طواعية هو أسمى معاني الالتزام بالمؤسسات.
رحيل أيقونة وطنية
يأتي رحيل المجاهد اليامين زروال ليختم صفحة من أرقى صفحات العطاء الوطني، حيث سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الجزائريين، كقائد استثنائي قاد البلاد في أحلك مراحلها التاريخية، برزانة وحكمة، ليمثل جسراً آمناً نحو استعادة الاستقرار وتأسيس مرحلة جديدة في مسار بناء المؤسسات الديمقراطية في الجزائر.









