في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تحولات عميقة وإعادة تشكيل للتحالفات، برز الدور المحوري للجزائر كفاعل رئيسي لا يمكن تجاهله. هذا الأسبوع، كان السفير صبري بوقدوم، سفير الجزائر لدى واشنطن، حاضراً في نقاش رفيع المستوى نظمه مجلس الأطلسي المرموق تحت عنوان “الجزائر: ما هو دور عملاق جيوسياسي؟” .
اللقاء، الذي جمع كبار المسؤولين والأكاديميين والمؤرخين من الولايات المتحدة وإيطاليا، بمشاركة السفير الجزائري لدى روما محمد خليفي، شكل منصة عميقة وفي توقيت دقيق لاستعراض مكانة الجزائر في خارطة التحولات العالمية.
ثقل دبلوماسي واستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب
لم يأتِ اختيار مجلس الأطلسي لعنوان “عملاق جيوسياسي” لوصف الجزائر من فراغ. ففي خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في منطقة الساحل، أثبتت الجزائر أنها صوت عقل واستقرار. المشاركون في المائدة المستديرة سلطوا الضوء على الدور الإقليمي المركزي للجزائر ونفوذها المتزايد على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الديناميكيات الجيوسياسية المعقدة التي يشهدها العالم اليوم .
اللافت في النقاشات كان التركيز على المقاربة الاستراتيجية والبراغماتية التي تتبعها الجزائر في معالجة الأزمات. ففي وقت تبحث فيه القوى الكبرى عن شركاء موثوقين، تقدم الجزائر نفسها كصانع للاستقرار، ليس فقط في محيطها المباشر ولكن في عمق المنطقة الإفريقية والعربية.
رؤية واقعية لحل النزاعات وتعزيز الأمن
الملاحظات التي خرج بها المشاركون أكدت أن الجزائر تتبنى مقاربة متوازنة في التعامل مع الملفات الشائكة. ففي الوقت الذي تعاني فيه منطقة الساحل من عدم استقرار متزايد، تبرز الجزائر كقوة تعمل على احتواء الأزمات بدلاً من تصديرها.
التحليل الذي قدمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يشير إلى ازدواجية مثيرة في الدبلوماسية الجزائرية: فبينما توترت بعض العلاقات الثنائية مع دول الجوار، فإن النهج التعددي الذي تتبناه الجزائر في المحافل متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يحظى باحترام واسع . هذا التوجه يؤكد تمسك الجزائر بمبدأ سيادة الدول ورفض المقايضة في السياسة الخارجية، مما يكسبها مصداقية في الأوساط الدولية.
أمن الطاقة: شراكة استراتيجية في زمن التحولات
الملف الآخر الذي حظي باهتمام خاص في نقاشات مجلس الأطلسي هو الدور المتعاظم للجزائر في تعزيز أمن الطاقة العالمي. في العام 2025، استحوذ الاتحاد الأوروبي على حوالي 95% من صادرات الغاز الطبيعي المسال الجزائري، مما يعكس شراكة طاقوية استراتيجية عميقة بين ضفتي المتوسط .
الجزائر لم تكتفِ بدورها الحالي كممون موثوق، بل تتجه بخطى ثابتة نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة والمتجددة. الحوار رفيع المستوى بين الجزائر والاتحاد الأوروبي الذي عُقد مؤخراً ناقش آفاق التعاون في مجالات الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، مع التركيز على مشروع “ممر الهيدروجين الجنوبي” (SoutH2 Corridor) الذي سيربط الجزائر بأوروبا عبر إيطاليا والنمسا وألمانيا .
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان قد أكد في تصريحات سابقة التزام الجزائر بالانتقال من الاعتماد على النفط الخام إلى مزيج طاقوي متوازن يشمل الغاز والهيدروجين والطاقات المتجددة، مما يعزز مكانتها كشريك موثوق في التحول الطاقوي الأوروبي .
عملاق بصمت: حضور متوازن في عالم مضطرب
ما يميز النقاش الذي استضافه مجلس الأطلسي هو اعتراف نخبة من الخبراء والمؤرخين بأن الجزائر تمثل نموذجاً فريداً في العلاقات الدولية. إنها دولة تتحرك بثقلها دون ضجيج، وتؤثر في التوازنات دون صراخ.
المشاركون في الفعالية أكدوا أن الجزائر، بثقلها السياسي وموقعها الجغرافي وإمكانياتها الطاقوية، تمثل اليوم ركيزة أساسية في معادلة الأمن المتوسطي والساحلي. وبينما تتسارع التحولات الدولية، تبقى الجزائر ذلك الحارس الهادئ الذي يفرض حضوره في كل النقاشات الكبرى حول مستقبل المنطقة.
في خضم تنافس القوى الدولية على النفوذ في إفريقيا والمتوسط، تثبت الجزائر أن دورها لا يُشترى ولا يُباع، بل يُبنى بثبات على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والعقيدة الدبلوماسية الراسخة.









