أكد السفير رشيد بلادهان، سفير الجزائر لدى النمسا والممثل الدائم لدى المنظمات الدولية بفيينا، أن التصدي للجريمة المنظمة عبر الوطنية يقتضي اعتماد مقاربة شاملة تستهدف الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، بدل الاكتفاء بالمعالجة الأمنية الضيقة، مشددًا على أن بناء قدرات الدول النامية وتعزيز التعاون الدولي يشكّلان ركيزتين أساسيتين لأي استجابة فعّالة ومستدامة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها السفير بلادهان خلال جلسة النقاش العام للدورة الثالثة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، المنعقدة بفيينا من 19 إلى 23 أكتوبر 2026، والتي تجمع ممثلي الدول الأطراف لمراجعة تنفيذ الاتفاقية وبروتوكولاتها وتعزيز آليات التعاون الدولي في مواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وأوضح الدبلوماسي الجزائري أن الجريمة المنظمة لم تعد ظاهرة معزولة، بل باتت تتشابك مع تحديات أمنية واقتصادية وتنموية متعددة، ما يستوجب مقاربة متكاملة تراعي البُعد التنموي والاجتماعي إلى جانب البُعد الأمني، وتُشرك الدول النامية في صياغة الحلول وتنفيذها، لا أن تكتفي بدور المتلقي للالتزامات.
وفي هذا السياق، شدّد السفير على أهمية تسريع آليات استرداد الأصول المهربة أو المسروقة وإعادتها إلى بلدانها الأصلية دون قيد أو شرط، وفقًا للالتزامات الدولية النافذة، معتبرًا أن بطء هذه الإجراءات والتعقيدات القانونية والمالية المرتبطة بها تحرم الدول، لا سيما النامية منها، من موارد حيوية كانت مخصصة لتمويل التنمية وخدمة مواطنيها. ودعا إلى تجاوز العوائق البيروقراطية التي تعطّل تنفيذ أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة في هذا الشأن.
ولم يغفل السفير بلادهان البُعد الأمني الإقليمي، إذ حذّر من الصلات المتنامية بين الجريمة المنظمة والإرهاب، ولا سيما في منطقة الساحل، حيث تستفيد التنظيمات الإرهابية من شبكات التهريب والاتجار غير المشروع بالأسلحة والمخدرات والبشر لتمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها. ودعا المجتمع الدولي إلى معالجة هذه الروابط بصورة متكاملة، عبر تعزيز قدرات دول الساحل في مجال مراقبة الحدود ومكافحة التمويل غير المشروع وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وعلى الصعيد ذاته، ندّد السفير الجزائري بنهب الممتلكات والأصول الفلسطينية في الأراضي المحتلة، داعيًا إلى التصدي لهذه الممارسات التي وصفها بأنها تنتهك الصكوك الدولية والقانون الدولي، وتندرج في إطار استغلال غير مشروع للموارد يضاعف معاناة الشعب الفلسطيني ويقوّض أي أفق لسلام عادل ودائم. وحثّ الدول الأطراف على تحمّل مسؤولياتها في منع الاستفادة من عائدات هذه الممارسات وضمان عدم إفلات مرتكبيها من المحاسبة.
واختتم السفير كلمته بالتأكيد على التزام الجزائر الثابت بالعمل متعدد الأطراف وبالتعاون الدولي في مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، مجددًا دعم بلاده لتعزيز دور مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ولتفعيل آليات المراجعة والتنفيذ بما يخدم مصالح الدول الأطراف كافة، ويصون سيادتها ومصالحها الوطنية.
يُذكر أن مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية يُعدّ الهيئة الرئيسية المعنية بمراجعة تنفيذ الاتفاقية وبروتوكولاتها الثلاثة، ويشكّل منصة سنوية لتبادل التجارب وأفضل الممارسات وبلورة توصيات عملية لتعزيز الاستجابة الدولية للتهديدات الإجرامية العابرة للحدود.










