في خضم المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج العربي، وما يرافقها من تصعيد عسكري خطير يهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها، تحركت الدبلوماسية الجزائرية بخطى واثقة وحاسمة، معبّرة عن موقف مبدئي لا يحيد عنه القرار السياسي الجزائري بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
فقد شهد مقر وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، اليوم، لقاءً موسعاً جمع وزير الدولة، الوزير أحمد عطاف، بسفراء الدول العربية الشقيقة التي تعرضت لاعتداءات عسكرية في إطار موجة التصعيد الراهنة. هذا اللقاء الذي جاء “بتوجيه من رئيس الجمهورية”، يحمل في توقيته ورمزيته رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية.
تضامن كامل ورفض مطلق للمساس بالسيادة
لم يكن اللقاء مجرد استقبال بروتوكولي عابر، بل كان منصة لإعلان موقف سياسي واضح وصريح. فقد أعرب السيد أحمد عطاف، خلال المحادثات، عن “تضامن الجزائر الكامل مع الدول العربية الشقيقة التي طالتها الاعتداءات العسكرية”، مؤكداً أن الجزائر التي طالما كانت حاضنة للقضايا العربية، تقف اليوم بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي إلى جانب أشقائها.
الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تمثلت في التأكيد على “رفض الجزائر القاطع لأي مساس بالسيادة الوطنية لهذه الدول الشقيقة ووحدتها الترابية، وكذا أمن شعوبها”. وهو تأكيد يعيد التذكير بثوابت السياسة الخارجية الجزائرية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض مبدأ استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
وقوف دائم في وجه الانتهاكات
لم يكتفِ الوزير عطاف بالتعبير عن التضامن السياسي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالتأكيد على “وقوف الجزائر الدائم إلى جانب أشقائها العرب أمام ما تعرضوا له من انتهاكات غير مقبولة وما نجم عنها من أضرار بشرية ومادية”. هذه العبارات تحمل في طياتها استعداداً جزائرياً لدعم الأشقاء ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً في الجهود الرامية لمعالجة تداعيات هذه الاعتداءات، سواء على المستوى الثنائي أو في المحافل الدولية.
دعوة ملحة لوقف التصعيد وتغليب لغة الحكمة
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة سباقاً محموماً نحو التصعيد، جددت الجزائر دعوتها الصادقة إلى تغليب لغة العقل. فقد شدد رئيس الدبلوماسية الجزائرية على “موقف الجزائر الداعي إلى الوقف الفوري لكل أشكال التصعيد وتغليب منطق الحوار وضبط النفس”. وهي دعوة تعكس القلق العميق الذي يسود الجزائر إزاء احتمالية اتساع رقعة النزاع، وما قد يجرّه ذلك من كوارث على شعوب المنطقة.
إن تحذير الجزائر من “تداعيات التصعيد الخطيرة على الأمن الإقليمي والدولي” ينطلق من إيمانها الراسخ بأن استقرار الخليج هو جزء لا يتجزأ من استقرار الأمة العربية، بل والعالم بأسره. فأي حرب جديدة في هذه البقعة الحيوية من العالم سيكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية كارثية لا يمكن حصرها.
قراءة في المشهد
التحرك الجزائري السريع، بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد، يؤكد أن الجزائر تتابع بدقة واهتمام بالغين تطورات الأوضاع في الخليج. كما أنه يعكس قناعة راسخة بأن المرحلة الحالية تتطلب تكاتفاً عربياً وتضامناً فعالاً لمواجهة التحديات.
الجزائر التي عُرفت بحكمتها ومواقفها المتوازنة، تبعث اليوم برسالة واضحة للجميع: أن أمن الخليج هو خط أحمر، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة لا منتصر فيها. وهي بذلك لا تؤدي فقط واجبها الأخوي تجاه أشقائها، بل تساهم أيضاً في بث صوت العقل والحكمة في وقت تحتدم فيه الأزمات وتتعالى أصوات الطبول.









