في خطاب حمل نبرة تصعيدية واضحة تجاه ما وصفته بـ”المفارقة الصارخة” التي تعاني منها القارة السمراء، وجّه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، كلمة قوية إلى قادة وزعماء القارة الإفريقية، خلال اجتماع لجنة رؤساء الدول والحكومات الأفارقة حول تغير المناخ، المنعقد على هامش الدورة العادية التاسعة والثلاثين لمؤتمر الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا.
وألقى الوزير الأول، سيفي غريب، كلمة الرئيس تبون نيابة عنه، بحضور فخامة الدكتور ويليام سامويل روتو، رئيس جمهورية كينيا، والسيد محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، حيث حملت الكلمة رسائل سياسية واقتصادية حاسمة حول مكانة إفريقيا في معادلة المناخ العالمية.
إفريقيا… الأقلّ تسبباً والأكثر تضرراً
استهل رئيس الجمهورية كلمته بالتأكيد على أن الآثار السلبية للتغيرات المناخية تحولت إلى “عائق حقيقي يُعرقل مسار التنمية” في القارة الإفريقية، التي تواجه شحاً في التمويل اللازم للتكيف مع المناخ، في ظل ارتفاع التضخم العالمي ووصول مديونية العديد من الدول الإفريقية إلى مستويات لا تطاق.
وأبرز الرئيس تبون المفارقة الكبرى التي تعيشها القارة، حيث أن إفريقيا، التي لم تساهم تاريخياً إلا بنسبة ضئيلة في الانبعاثات الكربونية العالمية، هي الأكثر معاناة من تبعات التغير المناخي، وفي الوقت نفسه، هي الأقل حصولاً على التمويل المناخي اللازم للاستثمار في مشاريع التكيف والصمود.
صفعة دبلوماسية للمانحين
وفي جزء لافت من كلمته، وجّه الرئيس تبون انتقاداً واضحاً للسياسات الدولية الأحادية، محذراً من ضغوط تمارس على الدول الإفريقية للتضحية بأمنها الغذائي والطاقوي، لتحمل أعباء دول تتنصل من مسؤولياتها التاريخية متذرعة بأولوياتها الاستراتيجية.
واستنكر رئيس الجمهورية الإجراءات التجارية أحادية الجانب، التي تفتقر إلى أي سند علمي يثبت فعاليتها في مكافحة التغير المناخي، مؤكداً أن الدراسات تثبت آثارها الاقتصادية والمالية المدمرة على قدرات الدول النامية في تمويل سياساتها التنموية.
وقال الرئيس تبون في كلمته: “من غير المقبول أن نُحمَّل تبعات نزعات حمائية لأطراف خارجية، بينما تتهرب هذه الأطراف نفسها من مسؤولياتها الواضحة”، مشيراً إلى ما شهدته الدورة المنصرمة لمؤتمر الأطراف (COP30) من محاولات لإعادة صياغة مبادئ اتفاق باريس، واصفاً إياها بـ”المنحدر الخطير” الذي تسعى بعض الدول المتقدمة إلى دفع اقتصادات إفريقيا إليه.
دعوة صريحة للعدالة المناخية
وشدّد رئيس الجمهورية على أن الوفاء الفعال بالتعهدات المناخية رهين بتحقيق “عدالة مناخية حقيقية”، تجسد مبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة لكن المتباينة. ودعا الدول المتقدمة إلى قيادة الجهود العالمية بخفض انبعاثاتها، وتوفير الدعم المالي والتكنولوجي الضروري للبلدان النامية، خاصة الإفريقية منها.
كما طالب بآليات تمويلية أكثر مرونة وملاءمة، قادرة على سد فجوة الموارد ومواكبة الأعباء المالية الهائلة، مع مراعاة متطلبات التنمية المستدامة والمسؤولية التاريخية للاقتصادات المتقدمة في التدهور المناخي الحالي.
الموقف الموحد… سلاح إفريقيا في المفاوضات الدولية
دعا الرئيس تبون إلى ضرورة الحفاظ على تماسك المجموعة الإفريقية خلال المفاوضات الدولية المقبلة، والسعي لتحقيق انتقال عادل يعود بالنفع على جميع دول القارة، والابتعاد عن المقاربات الفردية. وأكد أن تبنّي موقف موحد هو السبيل الأمثل للدفاع عن المصالح المشتركة، وبناء شراكات دولية وإقليمية طموحة، وزيادة التمويلات الموجهة لبلداننا، وتسهيل نقل التكنولوجيا.
مبادرات جزائرية رائدة
وفي إطار المساهمة الفعلية في الجهود القارية، استعرض رئيس الجمهورية أبرز المبادرات الجزائرية في مجال مكافحة التغيرات المناخية، ومنها:
مبادرة إنشاء قوة مدنية إفريقية للتصدي للكوارث الطبيعية، تضمن استجابة فورية وفعالة وتقديم الدعم اللازم للدول المتضررة.
مشاريع الربط الطاقوي مع دول الساحل، لتعزيز قدرات دول الجوار وتبادل أفضل الممارسات.
مبادرة توسيع وتأهيل السد الأخضر، التي تشمل استصلاح 4.7 مليون هكتار وإعادة تأهيل 500 ألف هكتار، كمساهمة جزائرية في تعزيز الاستدامة البيئية بالقارة.
إفريقيا… منبع الثروات وحقها في المكانة اللائقة
واختتم رئيس الجمهورية كلمته برسالة طموحة، أكد فيها أن القارة الإفريقية، التي حُرمت شعوبها لعقود من خيراتها بفعل سياسات استعمارية عنصرية، حري بها اليوم أن تتبوأ المكانة اللائقة بإمكاناتها وتاريخها، في ظل نظام دولي متعدد الأطراف يتطلع لتحقيق العدالة المناخية ويضمن الحق في التنمية.
وجدّد الرئيس تبون استعداد الجزائر الكامل للمساهمة بكل إمكاناتها في تحقيق هذه الغاية النبيلة، محذراً من ضياع مكاسب النمو في القارة وسط التحولات الجيوسياسية المتسارعة.









