مع كل بزوغ فجر جديد في القارة الإفريقية، يستيقظ العالم على نبأ انقلاب عسكري جديد. فمع استيلاء الجيش على السلطة في غينيا بيساو قبل أيام، ارتفع عدد الانقلابات في القارة إلى 10 انقلابات خلال 5 سنوات فقط، في مشهد يذكر بعصور الانقلابات الدموية التي عانت منها أفريقيا لعقود.
أرقام صادمة.. عودة الدوامة
تشير الإحصاءات إلى تسجيل 10 انقلابات عسكرية ناجحة في الفترة من 2020 إلى 2025، توزعت بين مالي (انقلابان)، غينيا، السودان، بوركينا فاسو (انقلابان)، النيجر، الغابون، مدغشقر، وأخيراً غينيا بيساو. هذه الأرقام لا تشمل محاولات الانقلاب الفاشلة والتدخلات العسكرية غير المكتملة.
تحليل الظاهرة.. لماذا تعود الانقلابات؟
1. إرث الديمقراطية الهش:
تعاني معظم الدول التي شهدت انقلابات من ديمقراطيات هشة، حيث تتحول الانتخابات إلى مجرد مسرح لتزوير الإرادة الشعبية وتمديد ولايات الحكام. ففي الغابون، جاء الانقلاب بعد 55 عاماً من حكم عائلة بونغو، بينما في النيجر، جاء الانقلاب بعد إعلان فوز مزيف في الانتخابات.
2. تهديدات الإرهاب وانعدام الأمن:
تشكل الجماعات المسلحة تهديداً وجودياً للعديد من الدول، خاصة في الساحل الأفريقي. ففي مالي وبوركينا فاسو، برر العسكر انقلاباتهم بعجز الحكومات المدنية عن مواجهة الإرهاب، ووعدوا باستعادة الأمن لكن النتائج كانت محدودة.
3. الأزمات الاقتصادية والفساد:
تعاني معظم هذه الدول من اقتصادات منهكة وفساد مستشري، مما يخلق بيئة خصبة للتدخل العسكري. فالشعوب التي تعاني من الفقر والبطالة ترى في العسكر أملها الأخير للخلاص، وإن كان مؤقتاً.
4. الصراعات الجيوسياسية:
أصبحت أفريقيا ساحة لصراعات القوى الدولية، مما يخلق بيئة غير مستقرة. فالتنافس بين القوى التقليدية والناشئة في القارة يضعف مؤسسات الدولة ويهيئ الظروف للتدخل العسكري.
نماذج الانقلابات.. من الديمقراطية إلى الدكتاتورية
مالي: من الانتخابات إلى الحكم العسكري المطلق
بعد وعود بإجراء انتخابات في 2024، أجل الجيش الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وفي يوليو 2025 أقر العقيد آسيمي غويتا قانوناً يمنحه ولاية رئاسية لخمس سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات.
الغابون: من التزوير إلى الشرعية الجديدة
بعد الإطاحة بالرئيس علي بونغو، انتخب الجنرال برايس أوليغي نغيما رئيساً بنسبة 94.85%، في استحقاق يذكر بأساليب عهد بونغو نفسه.
السودان: من الانقلاب إلى الحرب الأهلية
تحول الانقلاب في السودان إلى حرب أهلية طاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين.
الآثار والتداعيات.. مستقبل مظلم يلوح في الأفق
1. تراجع الديمقراطية:
تشير التقارير الدولية إلى تراجع ملحوظ في مؤشرات الديمقراطية في أفريقيا، حيث فقدت القارة مكاسب عقدين من التطور الديمقراطي.
2. تدهور الأوضاع الإنسانية:
تسببت الانقلابات والحروب الأهلية في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، خاصة في السودان ومنطقة الساحل.
3. هشاشة الأمن الإقليمي:
أدت عدم الاستقرار السياسي إلى تفاقم التهديدات الأمنية العابرة للحدود، خاصة تمدد الجماعات المسلحة في مناطق شاسعة.
4. فقدان الثقة في المؤسسات:
فقدت الشعوب الثقة في المؤسسات السياسية التقليدية، مما يخلق حلقة مفرغة من عدم الاستقرار.
هل من مخرج؟
تعيش أفريقيا اليوم مفارقة صارخة: فبينما تتقدم اقتصاداتها وتنمو ديموغرافيتها الشابة، تتراجع أنظمتها السياسية إلى مربع الدكتاتورية. الحل ليس في المزيد من العقوبات الدولية أو العزلة، بل في بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، ومحاربة الفساد، وتمكين الشباب، وإيجاد حلول جذرية للأزمات الاقتصادية والأمنية.









