في لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، وضع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون النقاط على الحروف في عدد من الملفات الداخلية والخارجية، متقدماً بخطاب يجمع بين الحماية الاجتماعية، والمحاسبة الإدارية، والانفتاح المتوازن على القوى الكبرى، وقد تصدر ملف غلاء الأسعار المشهد، إلى جانب رسائل قوية في الاقتصاد، والسياسة الخارجية، وملف النيجر.
الفلاح بريء.. والمضارب في دائرة الاتهام
في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، كان لافتاً تبرئة الرئيس تبون الواضحة للفلاحين من مسؤولية ارتفاع الأسعار ، حيث قال: «أغلب الفلاحين ليسوا متسببين في ارتفاع الأسعار ».
وشدد رئيس الجمهورية على أولوية الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، مؤكداً بلهجة صارمة: «يجب علينا أن نحافظ على القدرة الشرائية للمواطن.. واللي جابها في روحو يدبر راسو».
«انتهى عهد القايد والباشاغا والآغا»
ولم يقتصر خطاب الرئيس على الجانب الاقتصادي، بل اتخذ بعداً إدارياً وسياسياً واضحاً، حين أعلن: «انتهى عهد القايد والباشاغا والآغا.. وهناك مسؤولون محليون قررت توقيفهم». وهي رسالة مباشرة بأن المسؤولية المحلية لم تعد بمنأى عن المحاسبة، وأن أي تجاوزات في التسيير أو في التعامل مع ملفات المواطنين ستواجه بالإجراءات القانونية.
اقتصاد متنوع.. ورقمنة تكشف «الألاعيب»
وفي ما يخص التوجه الاقتصادي، أكد الرئيس تبون أن الجزائر تعمل على تجاوز ريعية المحروقات، قائلاً: «نحن بصدد العمل على رفع صادراتنا خارج المحروقات وسيكون احتياطي الصرف مرتفعاً بعد سنوات.. وهذا من صميم أهدافنا لتحقيق الاستقلالية». كما أشار إلى أن البلاد بلغت مرحلة متقدمة في الرقمنة، وهو ما سمح، حسب تعبيره، بـ«كشف كل الألاعيب التي كانت تنخر الاقتصاد».
الجزائر.. قرار حر وعلاقات متوازنة
على الصعيد الخارجي، قدّم الرئيس تبون رؤية تقوم على سيادة القرار ورفض الاصطفاف، مؤكداً أن «الجزائر لن تفرط في صداقتها مع روسيا ولا في صداقتها مع أمريكا ولا في صداقتها مع الصين»، مضيفاً أن «الحفاظ على نفس علاقة الصداقة والشراكة مع الدول العظمى أمر ليس مستحيلاً على الجزائر».
وفي ملف الطاقة، شدد على مسؤولية الجزائر، فقال: «الجزائر دولة مسؤولة ولن يسجل عنا أي تهور فيما يتعلق بسوق النفط.. وعندما يكون هناك إجماع فإننا نلتزم به». كما رحب بالرئيس الإيراني الذي «طلب الهبوط التقني لطائرته بالجزائر»، مؤكداً: «ومرحبا به وبأي رئيس غيره». واختزل الرئيس فلسفة الجزائر في جملة: «هذه هي الجزائر بنخوتها وقرارها الحر وهو ما يقبله البعض ويرفضه البعض الآخر».
النيجر.. استفزاز ورد جزائري
وفي الشأن الإقليمي، كشف الرئيس تبون عن تحرك عسكري جزائري تجاه النيجر، قائلاً: «أرسلنا طائرات عسكرية إلى النيجر لمواجهة محاولة الانقلاب لأن هناك جهات تمادت في مخططاتها»، وربط بين توقيت المحاولة الانقلابية وزيارة رئيس حكومة نيامي للجزائر، معتبراً ذلك «محاولة استفزاز لنا». وهي تصريحات تعكس انشغال الجزائر بأمن جوارها، ورفضها أي مساس بالاستقرار الإقليمي.
حماية الداخل.. وثبات الخارج
في المحصلة، رسم الرئيس تبون في هذا اللقاء معالم خطاب يقوم على ثلاثية: حماية القدرة الشرائية للمواطن ومحاسبة المضاربين، تسريع الإصلاحات الاقتصادية عبر الرقمنة والتنويع، واعتماد سياسة خارجية متوازنة ترفض التبعية وتتمسك بسيادة القرار، وبقدر ما تحمل هذه التصريحات رسائل طمأنة للفلاحين والمستهلكين، فإنها تحمل في الوقت ذاته وعيداً واضحاً لكل من يحاول التلاعب بقوت المواطن أو العبث باستقرار البلاد.









