تشهد ولاية تبسة هذه الأيام تحولاً صناعياً تاريخياً، مع تواصل أشغال إعادة بعث نشاط مصنع الزجاج “SOVEST” (الشركة الزجاجية للشرق) بوتيرة متسارعة، بعد توقف دام لأكثر من 30 عاماً. ففي قلب المنطقة الصناعية ببلدية الماء الأبيض، يعود هذا الصرح العملاق إلى الحياة، ليكون أحد أبرز ثمار الاستراتيجية الوطنية لإعادة بعث المؤسسات الإنتاجية المتوقفة.
منجم ذهب معطل.. قصة مصنع انتظر عقوداً
يعود أصل هذا الصرح الصناعي إلى سنة 1995، حين تم تأسيس شركة الزجاج للشرق “SOVEST” كوحدة إنتاج عمومية متخصصة في إنتاج الزجاج المقعر الموجّه لصناعة القوارير والعلب الزجاجية. لكن المشروع، الذي شُيد في تسعينيات القرن الماضي، لم يدخل حيز الاستغلال الفعلي بسبب عوائق تقنية ومالية متراكمة، أبرزها الديون العالقة وتعقيدات التمويل، إضافة إلى صعوبات كبيرة في ربط المصنع بشبكة الطاقة الكهربائية، حيث تطلّب الأمر إنجاز خط ربط يتجاوز 42 كيلومتراً.
وبقي المصنع، الممتد على مساحة 9.5 هكتارات، شاهداً على مشاريع صناعية لم تكتمل، إلى أن أطلقت السلطات العليا في البلاد سياسة جديدة لإعادة بعث المؤسسات الاقتصادية المتوقفة، ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للاستيراد.
تحول نوعي.. استلام المصنع وانطلاق أشغال التأهيل
في خطوة حاسمة، تم يوم 29 جانفي 2025 استكمال إجراءات تحويل ملكية الشركة الزجاجية للشرق SOVEST من بنك الجزائر الخارجي (BEA) إلى الشركة القابضة الجزائرية للتخصصات الكيميائية (Holding ACS)، وذلك تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، المتعلقة بدعم الإنتاج الوطني، وبتعليمات من وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني.
وجرت مراسيم التوقيع بمقر الشركة ببلدية الماء الأبيض، تحت إشراف والي الولاية، السيد بلحداد أحمد، وبحضور مختلف الفاعلين في القطاع الصناعي. وأكد السيد سمير يحياوي، الرئيس المدير العام للشركة القابضة Holding ACS، أن هذا الإجراء يندرج ضمن استراتيجية الدولة الرامية إلى إعادة بعث المؤسسات الإنتاجية المتوقفة، واستغلال قدراتها لدعم التنمية الاقتصادية وخلق مناصب الشغل.
تجهيزات عملاقة.. فرن هو الأكبر في شمال إفريقيا
تشهد ورشة المصنع اليوم حركة دؤوبة، مع استلام الدفعات الأولى من التجهيزات الحديثة. وكشف الرئيس المدير العام لمصنع الزجاج “سوفاست”، بوفندي محمد الهادي، أن الدفعة الأولى من التجهيزات تخص فرن المصنع الذي يُعد أكبر فرن في شمال إفريقيا.
وقد أعلنت الشركة القابضة عن منح صفقتين لموردين أجنبيين لتوريد معدات المصنع. تشمل الصفقة الأولى دراسة وتوريد معدات لتجديد وتطوير وتشغيل فرن صهر الزجاج المجوف بسعة 200 طن يومياً، إلى جانب معدات ورشة الخلط، وتوريد ثلاث ماكينات ذات ثمانية مقاطع. أما الصفقة الثانية، فتخص دراسة شاملة لتوريد ثلاثة خطوط سير للمراقبة والتوضيب والتغليف.
قدرات إنتاجية واعدة.. و300 منصب شغل مباشر
يُنتظر أن يدخل المصنع مرحلة الإنتاج بداية من الفاتح نوفمبر المقبل، بطاقة إنتاجية سنوية تقدر بين 81.5 و87 مليون قارورة زجاجية، وأكثر من 7 ملايين جرة زجاجية. وستساهم هذه الطاقة في تلبية احتياجات السوق الوطنية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في قطاع الصناعات الغذائية والصيدلانية.
ومن المنتظر أن يُحدث المصنع نقلة نوعية على مستوى التشغيل، حيث سيوفّر حوالي 300 منصب شغل مباشر في مرحلة أولى، مع توقعات بتوفير فرص إضافية على المدى المتوسط. وأشاد والي تبسة بهذه الخطوة، مؤكداً أن إعادة تشغيل المصنع تمثل إضافة نوعية للنسيج الصناعي المحلي، ومجدّداً التزام السلطات الولائية بمرافقة هذا المشروع وتقديم كل التسهيلات اللازمة لضمان نجاحه.
رؤية استراتيجية.. نحو اقتصاد منتج ومتنوع
يأتي هذا المشروع في صميم استراتيجية الدولة الجزائرية للرفع من نسبة الإدماج الوطني في صناعة الزجاج المجوف، وتثمين الأصول الصناعية غير المستغلة. ويؤكد إدماج مصنع SOVEST ضمن حافظة الشركة القابضة، بالشراكة مع مجمع مدار (MADAR) والصندوق الوطني للاستثمار (FNI)، التزام الدولة بتحويل الأصول الصناعية إلى أدوات إنتاجية فعالة وخلق قيمة مضافة مستدامة، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية والأهداف التنموية الطموحة.
بهذه الخطوة، يعود مصنع “سوفاست” ليؤكد أن إرادة التنمية أقوى من عقود الجمود، وأن الجزائر ماضية في طريقها نحو استعادة مكانتها الصناعية، مصنعاً بعد مصنع، ومنطقة بعد أخرى.













