أصدر قاضي التحقيق لدى محكمة بومرداس، اليوم السبت، أوامر بوضع ثلاثة متهمين رهن الحبس المؤقت، على ذمة قضية حادث انقلاب الحافلة الذي هزّ الرأي العام الوطني يوم 31 يوليو الماضي، وأودى بحياة 28 شخصًا وإصابة 36 آخرين بجروح متفاوتة .**
جاء ذلك خلال ندوة صحفية نشطها النائب العام لدى مجلس قضاء بومرداس، السيد شاكر قارة، كشف خلالها عن تفاصيل صادمة لنتائج التحقيق الابتدائي، والتي ترسم صورة مركبة للإهمال والاستهتار بقواعد السلامة، وتورط منظومة غير قانونية لتنظيم الرحلات السياحية .
تفاصيل الحادث والتحقيقات الأولية
تعود وقائع الحادث الأليم إلى صباح يوم 31 يوليو 2026، على الساعة التاسعة والأربعين دقيقة، على مستوى الطريق الوطني رقم 24 الرابط بين بلديتي بومرداس وزموري، في المكان المسمى “الكرمة” . وكانت الحافلة، القادمة من مدينة العلمة بولاية سطيف، في رحلة باتجاه شاطئ ولاية بومرداس، حين انحرفت عن مسارها وانقلبت، لتتحول رحلة ممتعة إلى مأساة إنسانية.
وأوضح النائب العام أن الإجراءات القضائية انطلقت فور وقوع الحادث، حيث تم تخصيص مكتب على مستوى مستشفى 240 سريرًا للإشراف على عمليات تسجيل الوفيات وتحديد الهويات، والتكفل بالمصابين، “لتفادي أي أخطاء محتملة” .
المتهمون والتهم الموجهة إليهم
بعد استجواب المتهمين الثلاثة من طرف قاضي التحقيق، صدرت أوامر بوضعهم رهن الحبس المؤقت بتهم ثقيلة، تتعلق بـ “المشاركة في القتل الخطأ لعدة أشخاص، المرتكب إثر حادث مرور باستعمال مركبة للنقل الجماعي للأشخاص”، و”المشاركة في الجرح الخطأ لعدة أشخاص”، بالإضافة إلى تهمة “التحرير العمدي لقرارات أو شهادات تثبت وقائع غير صحيحة” .
ويتعلق الأمر بكل من مالك الحافلة (ي. عبد الرزاق) وشقيقه (ي. المكي)، بالإضافة إلى مالك الوكالة السياحية “بربر تور” (خ. إلياس) . وكشف التحقيق عن وجود تنازل صوري عن الحافلة بين مالكيها والوكالة، حيث كانت تُستغل في النقل الجامعي خلال العام الدراسي، وتُحوّل صوريًا للوكالة في فصل الصيف لتنظيم رحلات سياحية، مع الاحتفاظ ببطاقة التسجيل الأصلية .
خلفيات تنظيم الرحلة.. إشهار وهمي وترتيبات غير قانونية
في كشف صادم، أفاد النائب العام أن الرحلة تم تنظيمها عبر الإشهار على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا عبر صفحة باسم “أيوب فوياج”، التي أوهمت الجمهور بأن الرحلة منظمة من طرف وكالة سياحية متخصصة . وكان الراغبون في المشاركة يتواصلون عبر الأرقام المدوّنة، فيما كان سائق الحافلة يتولى جمع الركاب من أماكن متفرقة ابتداءً من الثالثة فجرًا، مقابل مبلغ 1400 دينار جزائري للراكب .
وفي تفصيل آخر يعكس الاستهتار، تبين أن السائق كان قد أجرى رحلة مماثلة إلى ولاية جيجل في اليوم السابق للحادث، وعاد منها بعد منتصف الليل، لينطلق بعد ساعات قليلة في رحلة بومرداس دون حصوله على قسط كافٍ من الراحة .
حقائق صادمة.. سرعة جنونية ومخدرات وحمل زائد
كشفت التحقيقات الفنية عن مجموعة من العوامل التي أسهمت في وقوع الكارثة:
– **الحمل الزائد:** كانت الحافلة تقل 64 مسافرًا، بينما طاقتها الاستيعابية القانونية لا تتجاوز 51 راكبًا .
– **السرعة المفرطة:** بلغت سرعة الحافلة لحظة وقوع الحادث 121.63 كلم/ساعة، في منطقة منحدرة حددت السرعة فيها بـ 60 كلم/ساعة فقط .
– **تأثير المخدرات:** خلصت تحاليل الطبيب الشرعي إلى أن السائق كان يقود الحافلة تحت تأثير مواد مخدرة ومؤثرات عقلية مختلفة الأصناف .
– **خلل تقني سابق:** أظهرت الخبرة وجود خلل في منظومة المساعدة على كبح المحرك، حيث لم تتجاوز فعاليتها 50%، وهو عطل سابق للحادث .
كما تم العثور على تسجيل صوتي على هاتف السائق يعود لتاريخ 29 يوليو، تضمن عبارة: “لازم نساعفوها بالفرانات وحتى نخدموها نهار السبت”، مما يشير إلى علمه بوجود خلل تقني في الحافلة قبل انطلاق الرحلة .
الطريق والعجلات.. براءة من التهمة
في المقابل، أكدت التحقيقات أن الطريق الذي وقع فيه الحادث، وهو حديث الإنجاز، لم تسجل عليه أي تشققات أو حفر أو زيوت أو رمال، وأن الحواجز والإشارات المرورية كانت مطابقة للمعايير، كما كانت الظروف الجوية والرؤية جيدة . كما بينت المعاينة أن العجلات الست للحافلة كانت في حالة حسنة ولم تسجل عليها أي عيوب تذكر .
رسالة قضائية حازمة
يأتي هذا القرار القضائي ليجسد توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أعلن حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام إثر الحادث، متوعدًا “مجرمي الطرقات” بالعدالة التي ستضرب “بيد من حديد وبلا هوادة” . وبهذا الإيداع رهن الحبس المؤقت، تواصل العدالة مسارها لكشف كامل الملابسات وتحديد المسؤوليات، في قضية هزت مشاعر الجزائريين وأعادت إلى الأذهان مأساة وادي الحراش قبل عام .









