خلال لقاءاته الدورية مع وسائل الإعلام، يؤكد الرئيس عبد المجيد تبون استعمال مصطلح «دولة ناشئة»، وهو وصف لم يعد مجرد شعار يستخدم في الخطابات السياسية، بل أصبح يرتبط برؤية اقتصادية واستراتيجية واضحة تتجه إليها الجزائر في ظل مرحلة تميزها الحاجة إلى تحوّل جذري في نمط النمو والتنمية. المصطلح في جوهره لا يعني دولة فقيرة أو دولة متقدمة فحسب، بل يشير إلى بلد في مرحلة انتقالية حقيقية من الاعتماد الكبير على عائدات الموارد الطبيعية إلى اقتصاد منتج متنوع وقادر على خلق الثروة داخليًا.
الاقتصاد الجزائري واجه لسنوات طويلة تحديًا يتمثل في الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط والغاز، حيث ظل هذا القطاع يشكّل غالبية عائدات الصادرات وأحد مصادر التمويل الرئيسية للدولة. ومنذ 2017، تظهر الإحصاءات أن الجزائر بدأت تُسجل تقدّمًا في اتجاه تنويع اقتصادها، فقد تضاعفت الصادرات غير النفطية ووصلت إلى حوالي 5.1 مليار دولار، مع اهتمام بقطاعات مثل الأسمدة والحديد والصلب، رغم أنها لا تزال تمثل نسبة صغيرة مقارنة بحجم الاقتصاد الكلّي.
تسعى الجزائر، وفق تقرير البنك الدولي، إلى تقليل الاعتماد على عائدات النفط والغاز عبر تطوير منظومة تُحفّز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك تحديث الخدمات اللوجستية وتعزيز التصدير خارج سوق الطاقة. هذه التحولات تعكس خطوات نحو اقتصاد أكثر تنويعًا واستدامة، وهي بالضبط السمات التي تميّز الدولة التي على طريق أن تصبح “ناشئة” اقتصاديًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يُظهر الأداء الوطني تحسنًا ملموسًا في مؤشرات النمو، ففي 2024 سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا متسقًا مع تراجع التضخم، وهو مؤشر على استقرار الاقتصاد الجزائري، رغم استمرار التحديات في بعض القطاعات. كما تؤكد بيانات البنك الدولي على أهمية زيادة الإنتاجية والقدرة التنافسية لتحقيق نمو مستدام ومتنوّع.
التحوّل لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يشمل تحولات هيكلية تسعى الجزائر إلى تنفيذها، من بينها تحديث الإطار القانوني للاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال بما يجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية على حد سواء، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تُعد عناصر محورية لبناء اقتصاد متنوع وقادر على خلق فرص شغل.
ولا يمكن فهم مفهوم “الدولة الناشئة” من دون ربطه بالبعد التجاري والسياسي. فالدولة التي تنتج وتصدّر منتجاتها وتُدمج في سلاسل القيمة العالمية لا تبقى أسيرة الاقتصادات الريعية التقليدية، بل تصبح شريكًا اقتصاديًا فاعلًا في النظام الدولي، مما يمنحها هامشًا أوسع في اتخاذ القرارات السياسية على أساس من الاستقلال الاقتصادي، وليس الاعتماد على الدعم الخارجي أو تقلبات أسعار المواد الخام وحدها.
الواقع الجزائري اليوم يُظهر خطوات ملموسة نحو هذا التحوّل؛ فالبلاد تعمل على تعزيز التنويع الاقتصادي وعلى رأس ذلك تطوير القطاعات الصناعية من خلال استغلال المناجم وإقامة صناعة تحويلية على غرار حديد غارا جبيلات وفوسفات بلاد الحدبة والزراعية على غرار مشروع انتاج القمح بالشراكة مع الايطاليين وإنتاج الحليب بالشراكة مع القطريين ، بالإضافة إلى إدخال تحسينات على البنية التحتية الاقتصادية وبيئة الأعمال. وتشمل هذه الجهود مشاريع كبرى في مجالات الصناعة والتحويل المحلي، وإصلاحات تشريعية تهدف إلى تسهيل الاستثمار وتنشيط النمو.
وصف الجزائر بأنها تسير نحو أن تكون “دولة ناشئة” ليس مجرد شعار سياسي، بل هو خيار استراتيجي يعكس فهمًا عميقًا لحاجة البلاد إلى نمو اقتصادي مستدام ومتعدد الأبعاد، يتجاوز الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد منتج ومبتكر وقادر على المنافسة في الأسواق العالمية.
محمد.ب









