على الرغم من المناورات العدائية التي تقودها قوى «محور الشر» “المغرب والإمارات و الاحتلال الإسرائيلي”، وقوى أخرى من خارج المنطقة، وفي مقدمتها القوة الاستعمارية السابقة، والتي تسعى إلى عزل الجزائر وتقويض دورها التاريخي في المنطقة، تواصل الجزائر استعادة حضورها الدبلوماسي في منطقة الساحل، وتعزز، واحداً تلو الآخر، شراكاتها مع جيرانها المباشرين.
ولم تنجح محاولات تطويق الجزائر وحملات التشويه التي تستهدفها سوى في الكشف عن متانة الروابط التاريخية الراسخة التي تجمع الجزائر بشركائها في منطقة الساحل.
وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصّ رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين الجزائر بمكانة خاصة في خطابه، واصفاً إياها بأنها «بلد شقيق وجار» اختار مرافقة النيجر، سواء من خلال استثمارات كبيرة في استغلال مواردها الطبيعية أو عبر دعم مستمر لمنظومتها الدفاعية.
كما شدد على اتساع نطاق التعاون بين البلدين، مشيراً إلى الصحة والتعليم والطاقة والمياه والزراعة، قبل أن يتطرق إلى مشاريع كبرى، مثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء والطريق العابر للصحراء.
ومع مالي، أعادت الجزائر أيضاً وصل خيط الحوار بعد فترة من التوتر. ومنذ يوليو 2026، أعاد البلدان علاقاتهما الدبلوماسية والجوية، منهِيَين بذلك قطيعة استمرت خمسة عشر شهراً.
ويعكس هذا التطبيع رغبة البلدين الجارين في طي صفحة مرحلة من التوتر، وتعزيز علاقات حسن الجوار التاريخية القائمة على تقارب جغرافي وإنساني وأمني متجذر منذ عقود.
ومع بوركينا فاسو، يسير المسار في الاتجاه ذاته. فمنذ يناير وفبراير 2026، أطلقت الجزائر تحركاً مكثفاً في مجال الدبلوماسية الاقتصادية في واغادوغو، من خلال زيارات متتالية لوزير الطاقة والمناجم، أفضت إلى اتفاقات للتعاون في مجالات المحروقات والمناجم والطاقات المتجددة، فضلاً عن برنامج لتحديث البنية التحتية للطاقة في بوركينا فاسو.
وتمنح هذه الديناميات المتقاربة، مع تعميق الشراكة مع نيامي، واستئناف الحوار مع باماكو وتعزيزه، وإعادة إطلاق التعاون مع واغادوغو، الدبلوماسية الجزائرية في منطقة الساحل انسجاماً شاملاً، يجمع بين الأمن والموارد الطبيعية والبنى التحتية والتعاون القطاعي.
وفي منطقة تعاد فيها صياغة التحالفات، تبرز الجزائر بوصفها شريكاً رئيسياً في تعزيز سيادة جيرانها في منطقة الساحل واستقرارهم وأمنهم وتنميتهم. وهي تتقاسم معهم فضاءً جغرافياً وتاريخياً وإنسانياً، فيما يشكل استقرار هذه المنطقة مصلحة مباشرة لأمنها الوطني.
وتتيح هذه العمق الساحلي، القائم على الجوار والتعاون وتقاطع المصالح، لدول المنطقة تعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتنويع شراكاتها، والحفاظ على خياراتها السيادية، وتعزيز قدرتها على التحصن في مواجهة التدخلات الأجنبية.
بقلم : عمار بلاني سفير سابق









