“الإرادة السياسية صلبة وحازمة”
في مشهد اقتصادي بالغ الدلالة، احتضن المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، اللقاء الوطني الثالث بين رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون والمتعاملين الاقتصاديين، بمبادرة من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري (CREA)، في خطوة تعكس رغبة الدولة في تكريس الحوار المؤسساتي مع الفاعلين الاقتصاديين.
واستهل رئيس الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر لمجلس التجديد الاقتصادي الجزائري على تنظيم هذا المنتدى الدوري الذي “أصبح سُنّة حميدة”، واصفاً إياه بأنه “فرصة لتواصل المتعاملين الاقتصاديين مع أعضاء الحكومة، لمرافقة النشاط الاقتصادي والاستثماري في البلاد قصد بناء اقتصاد معاصر، قادر على الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي”.
وقال الرئيس تبون: “إن حضورنا معكم اليوم في هذا المنتدى يترجم الإرادة السياسية الصلبة والحازمة للدفع بحركية الاقتصاد والاستثمار، ويعبر عن تشجيع الدولة للمتعاملين الاقتصاديين عبر كل الولايات”.
مؤشرات إيجابية خارج المحروقات
وفي سياق متصل، أشار رئيس الجمهورية إلى أن “المؤشرات المسجّلة في الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات تعكس الجهود المبذولة من أجل تنويع الاقتصاد، ليكون أقل اعتماداً على المحروقات”، وهو ما يتجسد فعلياً في الأرقام التي كشف عنها الديوان الوطني للإحصائيات، حيث سجّل الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات نمواً بنسبة 5.3% خلال الفصل الثاني من سنة 2025، مقابل 4.4% في الفترة نفسها من سنة 2024. كما يتوقع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أن يحقق هذا المؤشر نمواً بنسبة 5% ليبلغ 47.492 مليار دينار جزائري.
ونوّه الرئيس تبون بالخطوات الهامة التي تحققت في مجال الاستثمار بعد مراجعة المنظومة القانونية، وهو ما تؤكده المعطيات الرسمية، إذ تمكّنت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار من تسجيل أكثر من 20.000 مشروع استثماري بقيمة إجمالية معلنة تتجاوز 9.000 مليار دينار (حوالي 67.5 مليار دولار)، من المتوقع أن توفر أكثر من 525 ألف فرصة عمل.
“الشراكة الاستراتيجية” بين الدولة والمؤسسات
من جهته، أكد رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري السيد كمال مولى، في كلمته، أن “الاقتصاد الوطني عرف تحولاً هيكلياً عميقاً بعد جائحة كوفيد-19″، مشيراً إلى أن “الجهود المشتركة للدولة وتعبئة المؤسسات هي التي سمحت بتحقيق هذا التنويع الاقتصادي الذي أشادت به المؤسسات الدولية”.
وقال مولى: “نحن مقتنعون بعمق داخل مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري بأن المؤسسات الجزائرية تشكّل الشريك الاستراتيجي الأول للدولة”. كما توقع رئيس المجلس أن يتجاوز النمو الاقتصادي الوطني نسبة 4% خلال سنة 2026، متجاوزاً بذلك توقعات صندوق النقد الدولي المقدرة بـ3.8%.
وشدّد مولى على “ضرورة الانتقال إلى تصنيع مدخلات الإنتاج محلياً، لتقليص التبعية للاستيراد وحماية العملة الصعبة وتعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية”، معلناً في الوقت ذاته دعم مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري الكامل لمحاربة الغش والممارسات غير القانونية بكل صرامة، بما يضمن المنافسة العادلة ويحمي المؤسسات النزيهة.
آفاق واعدة وتحديات قائمة
يأتي هذا اللقاء في ظل آفاق اقتصادية واعدة، حيث يتوقع رئيس الجمهورية بلوغ الناتج الداخلي الخام عتبة 400 مليار دولار مع نهاية سنة 2026 أو خلال الثلاثي الأول من سنة 2027. كما أثنى صندوق النقد الدولي على الأداء الاقتصادي الجزائري، معتبراً أن “هذا الأداء لم يعد يعتمد حصرياً على المحروقات، حيث بلغ نمو القطاع خارج قطاع النفط والغاز 4.3% في 2025 ومن المرجح أن يبقى قريباً من 4% في 2026”.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عجز الميزانية لا يزال يمثل 10.5% من الناتج الداخلي الخام في 2025، ومن المتوقع أن يبلغ 9.6% في 2026، مما يستدعي مواصلة الإصلاحات الهيكلية لضمان استدامة النمو وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات العالمية.
وفي ختام كلمته، حمل رئيس المجلس رسالة واضحة، قائلاً: “لنواصل تعزيز اقتصادنا بقوة العمل وعبقرية رؤساء مؤسساتنا وعمالنا. نحن نعرف نقاط قوتنا: نمو اقتصادي متواصل، غياب المديونية الخارجية، ونسيج مقاولاتي أصبح أكثر ديناميكية من أي وقت مضى”، في تأكيد على أن الجزائر تمضي قدماً بثبات نحو تجسيد أهدافها التنموية بمواردها الذاتية وإرادتها السيادية.













