عشية انطلاق مشاورات مجلس الأمن الدولي حول تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وجّه رئيس الجمهورية الصحراوية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، سجّل فيها رسمياً موقف الطرف الصحراوي من عناصر تقرير الأمين العام حول النزاع (S/2026/781) المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، في خطوة تُقرأ كمحاولة لتأطير النقاش داخل مجلس الأمن قبل بتّه في مصير البعثة.
وتأتي الرسالة في ظل سياق بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع مراجعة استراتيجية لولاية المينورسو طلبها القرار 2797 (2025)، وسط جمود مستمر في المسار التفاوضي منذ استئناف المواجهات العسكرية في نوفمبر 2020.
الكركرات: “السبب الجذري” ومسؤولية الأمم المتحدة
خصّص غالي الجزء الأول من رسالته للوضع الميداني، محمّلاً المغرب المسؤولية الكاملة عن التوترات “منخفضة الحدة” التي أشار إليها التقرير الأممي. واعتبر أن جذور هذا الوضع تعود إلى “الانتهاك المادي والمتواصل” لاتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991، وذلك حين “غزت” القوات المغربية منطقة الكركرات داخل الشريط العازل في 13 نوفمبر 2020.
واستندت الرسالة إلى تقارير أممية سابقة، ولا سيما (S/2021/843)، للتذكير بأن المغرب شيّد “جداراً رملياً جديداً بطول نحو 20 كيلومتراً” وعزّز وجوده في مساحة تناهز 40 كيلومتراً مربعاً داخل الشريط العازل، وأن الدولة التي أبلغت الأمين العام بأن أفعالها في الكركرات “لا رجعة فيها”.
وفي نبرة انتقادية صريحة، اتهمت الرسالة الأمانة العامة للأمم المتحدة بالاستمرار “للعام السادس على التوالي” في الامتناع عن “تسمية الأشياء بمسمياتها” وتحميل المغرب المسؤولية الكاملة عن عواقب ما وصفته بنسف اتفاق وقف إطلاق النار، داعية أعضاء مجلس الأمن إلى مراعاة ذلك عند المداولة بشأن تجديد الولاية.
المفاوضات: رفض “الحكم الذاتي” كإطار حصري
تناولت الرسالة الجولات الثلاث من المحادثات غير الرسمية التي عُقدت برئاسة مشتركة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بمشاركة الجزائر وموريتانيا كدولتين مجاورتين، مؤكدة انخراط البوليساريو “بحسن نية” استناداً إلى القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 2797 (2025). وذكّرت بمقترحها المقدم في 10 أبريل 2007، وكذا بمقترحها “الموسّع” المقدم في 20 أكتوبر 2025.
غير أن الرسالة سجّلت تحفظاً جوهرياً على “مشروع الاتفاق الإطاري المنقح” الذي أعده المبعوث الشخصي، والذي قد “يوفر أساساً للمفاوضات بشأن نموذج مفصل للحكم الذاتي” حسب التقرير الأممي. وشدّد غالي على أن أي إطار “يحدد مسبقاً نتيجة المفاوضات” أو “يقوض الممارسة الحرة” لحق تقرير المصير “لا يمكن أن يشكل أساساً للمفاوضات وسيكون مرفوضاً رفضاً قاطعاً”.
بل ذهبت الرسالة إلى أبعد من ذلك، محذّرة من أن حصر نطاق المفاوضات في “الحكم الذاتي” — “سواء كان حقيقياً أم غير ذلك” — من شأنه تقويض “الطابع المتوازن والشامل” لعملية السلام، وملمّحة إلى أن البوليساريو قد “تعيد النظر في استمرار انخراطها” في العملية السياسية برمتها في ظل هذه الظروف.
“بناء الثقة”: اتهام صريح بتحريف الوقائع
من أبرز محاور الرسالة، ما اعتبرته تحريفاً في تقرير الأمين العام بشأن مبادرة “تدابير بناء الثقة” التي أعدها المبعوث الشخصي بالاشتراك مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فبينما أشار التقرير إلى زيارات “اذهب وشاهد” تهدف إلى تمكين اللاجئين من الاطلاع على الأوضاع في الصحراء الغربية وتفاصيل المقترح المغربي للحكم الذاتي، أكدت الرسالة أن المبادرة الأصلية (17 أغسطس 2026) تحدثت فقط عن “تعزيز الحوار بين المجتمع المدني الصحراوي والمغربي”، ولم ترد فيها أي إشارة إلى الحكم الذاتي.
وأوضحت الرسالة أن البوليساريو رحّبت في 23 أغسطس 2026 بـ”تبادل الزيارات بين الطرفين”، وأعربت في 14 سبتمبر عن استعدادها للتعاون مع المفوضية، لكن “حصراً” بشأن زيارات المفوضية لمخيمات اللاجئين، لا زيارات “اذهب وشاهد”. وخلصت إلى أن أي ادعاء بخلاف ذلك “يُعد مضللاً تماماً”.
وفي هذا السياق، شدّدت الرسالة على أن لاجئي مخيمات تندوف لم يصبحوا لاجئين “بسبب ظروف طبيعية أو بيئية أو جراء حرب أهلية”، بل “أُجبروا على اللجوء نتيجة للغزو العسكري المغربي واحتلال بلادهم عام 1975″، معتبرة أن معالجة وضعهم لا يمكن أن تتم بمعزل عن معالجة “السبب الجذري” لتهجيرهم.
حقوق الإنسان: اتهامات بالحصار والتعتيم
خصّصت الرسالة حيزاً وافراً لملف حقوق الإنسان، منتقدة تغافل التقرير الأممي عن الإشارة إلى عدم تمكّن المينورسو من الوصول إلى محاوريها المحليين وإلى القيود المفروضة عليها منذ أمد طويل. كما دعت مجلس الأمن إلى المطالبة بتمكين المفوضية السامية لحقوق الإنسان من “الوصول الكامل ودون عوائق” إلى الصحراء الغربية، بعد أن أشار التقرير إلى منعها من دخول الإقليم منذ 2015.
واعتبرت الرسالة أن الحالات القليلة المذكورة في التقرير “لا تعكس حجم الانتهاكات الممنهجة” التي ترتكبها سلطات الاحتلال “مع إفلات تام من العقاب”، بسبب “الحصار العسكري والتعتيم الإعلامي” المفروضين على الإقليم. كما توقفت عند ملف سجناء “أكديم إزيك”، مستشهدة بقرارات لجنة مناهضة التعذيب في 20 ماي 2026 التي خلصت إلى وجود “نمط متسق من الاعتقالات التعسفية والحبس الانفرادي وأعمال التعذيب”، وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين الصحراويين.
“الحكم الذاتي” ليس حلاً
في ختام الرسالة، كرّرت البوليساريو موقفها بأن قضية الصحراء الغربية “قضية تصفية استعمار” مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ 1963، مستندة إلى رأي محكمة العدل الدولية بأن المغرب “لا يمارس أي سيادة” على الإقليم. واعتبرت أن “الحكم الذاتي” أو أي خيار آخر لا يمكن أن يُطرح كحل “ما لم يقرره ويصادق عليه شعب الصحراء الغربية” عبر ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفقاً لقرارَي الجمعية العامة 1541 (د-15) و2625 (د-25).
وأكدت الرسالة أن القضية الجوهرية “لا تتمثل في كيفية ممارسة الحكم الذاتي في ظل الاحتلال العسكري المغربي”، بل في “الممارسة الحرة” لحق تقرير المصير والاستقلال، مجددةً في الوقت ذاته التأكيد على “التزامها الراسخ بالسلام” واستعدادها للاضطلاع بنصيبها من الجهود الرامية إلى حل عادل وسلمي ودائم.









