اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا تاريخيًا يدين استرقاق الأفارقة وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، واصفًا إياها بأنها “أشد أشكال الظلم اللاإنساني وأطوله أمدًا”. وحظي القرار بتأييد ساحق بلغ **123 دولة**، فيما عارضته **3 دول فقط** هي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والأرجنتين، وامتنعت **52 دولة** عن التصويت.
وجاء هذا القرار في إطار فعاليات إحياء **اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي**، الذي شهد مشاركة رفيعة المستوى، من بينها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة الجمعية العامة.
مشاركة عربية بارزة في تقديم القرار
شهد مشروع القرار مشاركة عربية لافتة، حيث ضمت قائمة الدول العربية المشاركة في تقديمه كل من: **تونس، الجزائر، جزر القمر، جيبوتي، السودان، الصومال، مصر، المغرب، موريتانيا**. ويعكس هذا التحرك العربي المشترك التزامًا بإحياء ذكرى ضحايا الرق والتأكيد على أن هذه الجريمة البشعة في حق الشعوب الأفريقية لا يمكن أن تُنسى أو تُغفر.
“خيانة للكرامة الإنسانية”.. غوتيريش يفضح جرائم الماضي
في مستهل الفعالية، وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ممارسات الاسترقاق وتجارة الرقيق بأنها **”خيانة عميقة للكرامة الإنسانية”** ، حيث اُختطف ملايين الأفارقة وسُرقوا من أسرهم ومجتمعاتهم، وتم الاتجار بهم عبر المحيط الأطلسي في ظروف قاسية لا ترحم.
وأشار غوتيريش إلى حجم المأساة الإنسانية، قائلاً إن **”واحدًا من كل سبعة أشخاص لم ينجُ من هذه الرحلة”** . وأوضح أن الذين نجوا استُعبِدوا في الأمريكتين، حيث استُغلت الأجيال بشكل وحشي في العمالة وحُرموا من أبسط الحقوق الإنسانية.
وفي كلمة مؤثرة، قال الأمين العام: **”هذه الأعمال الوحشية كانت جوهر النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي. نظام وُلد من الطمع وبُني على الأكاذيب وفُرض بالعنف”** .
إرث لا يزال يؤثر على العالم اليوم
أكد غوتيريش أن هذا النظام الذي استمر لأكثر من 400 عام لا يزال يؤثر على العالم اليوم، مشيرًا إلى أن إحياء اليوم الدولي يتعدى مجرد التذكر، فهو “وقت لمواجهة الإرث المستمر لعدم المساواة والعنصرية”.
وشدد الأمين العام على ضرورة عدم نسيان ضحايا الرق، قائلاً: **”لن ننسى أبدًا ضحايا الرق”** ، داعيًا إلى التصدي للخطاب الزائف عن الاختلاف العرقي والأكاذيب القبيحة لتفوق العرق الأبيض.
غوتيريش يدعو لتفكيك العنصرية في كل المجالات
وجه غوتيريش دعوة صريحة إلى تفكيك المزاعم الضارة للعنصرية على الإنترنت ووسائل الإعلام والمدارس والعمل والسياسة، قائلاً: **”بل وفي أنفسنا”** ، في إشارة إلى ضرورة العمل على تغيير الصور النمطية والعنصرية التي ترسخت عبر القرون.
كما نادى الأمين العام بالعمل من أجل **”الحقيقة والعدالة والتعويض”** ، داعيًا إلى إزالة الحواجز التي يواجهها الكثيرون من المنحدرين من أصل أفريقي في ممارسة حقوقهم وتحقيق كامل إمكاناتهم، وإعادة الالتزام بحقوق الإنسان والمساواة.
ثلاثة أصوات معارضة.. من يقف ضد العدالة؟
في مشهد لافت، وقفت “الولايات المتحدة ، الكيان الصهيوني والأرجنتين” وحدها في معارضة القرار، بينما اختارت “52 دولة” الامتناع عن التصويت، في وقت اختارت فيه “123 دولة” أن تكون في صف التاريخ والعدالة والكرامة الإنسانية.
وتُعد هذه النتيجة رسالة دولية قوية مفادها أن المجتمع الدولي، بغالبيته الساحقة، ملتزم بمواجهة إرث الاسترقاق والعنصرية، وأن الأصوات التي لا تزال تنكر هذه الجرائم أو تقف ضد الاعتراف بها أصبحت معزولة أكثر من أي وقت مضى.
قرار تاريخي.. ورسالة للمستقبل
يمثل هذا القرار محطة فارقة في مسيرة الاعتراف بجرائم الماضي والتعامل مع تداعياتها التي لا تزال تلقي بظلالها على حياة ملايين المنحدرين من أصل أفريقي حول العالم. فإدانة استرقاق الأفارقة وتجارة الرقيق بهذا الشكل القاطع تعكس تطورًا في الوعي الدولي بأهمية مواجهة هذه الجرائم التاريخية، والاعتراف بأنها لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت نظامًا قائمًا استمر لأربعة قرون.
وبينما تحتفل الأمم المتحدة بإحياء هذا اليوم الدولي، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى جدية المجتمع الدولي في الانتقال من مرحلة التذكر والإدانة إلى مرحلة التعويض الفعلي وإزالة الحواجز التي لا تزال تواجه المنحدرين من أصل أفريقي في مختلف أنحاء العالم.










